الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٢٥ - المسألة الأولى هل يجوز التقليد في المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد
الثاني أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض والنظر في المسائل الكلامية مطلقا ، ولو وجد ذلك منهم ، لنقل ، كما نقل عنهم النظر في المسائل الفقهية ، ولو كان النظر في ذلك واجبا ، لكانوا أولى بالمحافظة عليه .
الثالث أنه لم ينقل عن النبي عليه السلام ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين إلى زمننا هذا الانكار على من كان في زمانهم من العوام ، ومن ليس له أهلية النظر على ترك النظر ، مع أنهم أكثر الخلق ، بل كانوا حاكمين بإسلامهم ، مقرين لهم على ما هم عليه .
الرابع لو كان النظر في معرفة الله تعالى واجبا ، فإما أن يجب على العارف ، أو على غير العارف : الأول محال ، لما فيه من تحصيل الحاصل ، والثاني يلزم منه أن يكون الجهل بالله تعالى واجبا ضرورة توقف النظر الواجب عليه ، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ولأنه يلزم منه توقف معرفة إيجاب الله تعالى على معرفة ذاته ، ومعرفة ذاته على النظر المتوقف على إيجابه ، وهو دور .
المعارضة الثانية أن النظر مظنة الوقوع في الشبهات واضطراب الآراء والخروج إلى الضلال ، بخلاف التقليد ، فكان سلوك ما هو أقرب إلى السلامة أولى . ولهذا ، صادفنا أكثر الخلق على ذلك ، فكان أولى بالاتباع .
الثالثة أن أدلة الأصول فيما يرجع إلى الغموض والخفاء أشد من أدلة الفروع ، فإذا جاز التقليد في الفروع مع سهولة أدلتها ، دفعا للحرج ، فلان يجوز ذلك في الأصول أولى .
الرابعة أن الأصول والفروع قد استويا في التكليف بهما ، وقد جاز التقليد في الفروع ، فكذلك في الأصول .
والجواب عن المعارضة الأولى بمنع النهي عن النظر ، وأما الآية ، فالمراد بهما إنما هو الجدال بالباطل على ما قال تعالى * ( وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ) * ( غافر : ٥ ) دون الجدال بالحق ، ودليله قوله تعالى * ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) * ( النحل : ١٢٥ ) وقوله تعالى * ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) * ( العنكبوت : ٤٦ )