الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٠٣ - فصل في الأمر المؤقت بوقت محدود هل يجب في أوله أو آخره
الناس التي راموا تشبيه الزكوات بها ، هي لأقوام بأعيانهم ، فحكمهم جائز فيها ، لأنها مال متعين لهم ، وموروث عنهم ، وأما الزكوات والكفارات فليست لقوم من المساكين بأعيانهم ، ولا هؤلاء المساكين بأولى بها من غيرهم من المساكين ، فما كان هكذا فلا إذن لمن حضر من المساكين فيها لا بتعجيل ولا بتأجيل ، ولا يستحقونها إلا بقبضها في أوقاتها ، لا قبل ذلك ولا بعده . وبيان ذلك أنها لا تورث عنهم قبل قبضهم لها ، ولا يجوز حكمهم فيها ، ولا تصرفهم ولا إبراؤهم قبل قبضها ، وكل هذا لا خلاف فيه ، وإنما شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ديون الناس بديون الله تعالى في شيئين لا ثالث لهما .
أحدها : بقاء حكمها بعد الموت وبعد العجز . والثاني : أداء الولي لها عن الميت فعصوا الله تعالى - أو من عصاه منهم - ورسوله صلى الله عليه وسلم ، في الوجهين اللذين شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ديون الناس بديون الله تعالى ، وتركوهما معا ، فقالوا : من مات وعليه حج أو زكاة أو صيام أو كفارات ، فقد سقط وجوبها فيما ترك ، ولا يقضى عنه إلا أن يأمر بذلك فيقضى عنه الزكاة والحج خاصة من الثلث ، ويطعم عنه إن - أوصى بذلك - في الصيام فقط .
ثم شبهوا ديون الله بديون الناس فيما لا شبه فيه بينهما ، وفيما لم يأذن به الله عز وجل ، ومن شغب منهم بالحديث الذي روي من جمع زكاة الفطر في المسجد ، ومبيت أبي هريرة عليها ، فلا حجة لهم فيه ، لأنه لا يخلو ذلك الجمع المذكور من أحد وجهين لا ثالث لهما :
أحدهما : أن تكون جمعت ولم تفرق حتى يأتي يوم الفطر الذي هو وقت أدائها ، وليس هذا مخالفا لقولنا ، ولو جاء وقت أدائها لما حل لمسلم أن يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه أخر إعطاءها - وهو عليه السلام إذ بقي عنده دينار لم يستحقه عليه أحد لم يأو إلى نسائه ، ولا فارق المسجد ليلا ولا نهارا قلقا آسفا حتى يعطيه ، فكيف يمنع أحدا حقا وقد وجب أداؤه ، - ومن ظن هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد هذي . أو تكون أخرجت في وقتها ولا يحضر من يستحقها فانتظر النبي صلى الله عليه وسلم حضورهم كما كان يفعل بما اجتمع عنده عليه السلام من غنم الصدقة ونعمها ، ولا يحل لمؤمن أن يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم غير