الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٧٥ - فصل في النص يخص بعضه هل الباقي على عمومه ؟
من أموالهم ، وكان هذا أيضا موافقا للظاهر وغير مخالف له البتة ، وليس إلا هذا الوجه ، إلا أن يوجب أكثر منه نص أو إجماع ، لأنه قد تعذر الوجه الثاني ، وهو أن يؤخذ من كل مال جزء ، وإذا لم يكن لشئ إلا قسمان فسقط أحدهما ثبت الآخر ، فلو لم تأت نصوص وإجماع على الاخذ من المواشي والذهب والفضة والبر والشعير والتمر ، لما وجب إلا ما يقع عليه اسم أخذ ، لأجزأ إعطاء برة واحدة أو شعيرة واحدة ، أو أي شئ أعطاه المرء ، ولكن النصوص والاجماع على ما ذكرنا ، فرض الوقوف عندهما .
وأما العموم الثاني : وهو عموم أرباب الأموال فبين واضح ، وهو من :
كل إنسان ذي مال ، فوجب استعماله على عمومه ، إذ عرف مقدار ما يؤخذ ، ومتى يؤخذ ، ومما يؤخذ ، فلا مخرج من ذلك إلا ما أخرجه نص أو إجماع على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى .
وأما النص المفسر الذي يفهم معناه من لفظه ، وكان يمكننا استعماله على عمومه ولو لم يأتنا غيره ، فأتى نص آخر أو إجماع ، فخص منه بعض ما يقع عليه الاسم ، فإنه لا يخرج منه إلا أخرج النص والاجماع ، والحجة في ذلك هي الحجج التي أثبتنا بها القول بالعموم في أول هذا الباب الذي نحن الآن في فصوله ، ويلزم من قال : لا أبقي منه إلا ما جاء نص أو إجماع في بقائه أن يبيح دماء جميع الأمة إلا ما اتفق على تحريم دمه ، لان قوله عليه السلام : دماؤكم وأموالكم عليكم حرام لقد اتفق على أنه ليس على عمومه ، بل لخص منه كثير كالزناة المحصنين ، وقتلة الأنفس وغيرهم ، فيلزمهم أن يقتلوا شارب الخمر في الرابعة ، هذا لو لم يأت فيه نص ، ولكن على أصلهم الفاسد ، وأن يقتل الساحر إن كان حنفيا أو شافعيا ، وأن يقتل السيد بعبده ، والمؤمن بالكافر إن كان مالكيا ، وإلا فقد تناقضوا وأقروا بأن العموم الذي قد خص بعضه ، فإن باقيه على العموم أيضا ، إلا أن يخصه نص أو إجماع ، ونحن نرى - إن شاء الله تعالى - مسألة فيها تخصيص مترادف مرآة لكيفية العمل فيما ذكرنا ، وبالله تعالى التوفيق ، فنقول :
قال الله عز وجل : * ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) * فلا نص أكثر معاني ولا أعم من هذا ، وفيه إباحة النساء والمآكل كلها ، وكل ما في الأرض