الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٤٩ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
مضموما بعضه إلى بعض ، ومستثنى بعضه من بعض ، ومعطوفا بعضه على بعض ، فبطل ما راموا أن يموهوا به ، وصح أنه سؤال فاسد ، وأن الذين خوطبوا بالآيات المذكورات خوطبوا ببيانها معا ، وأما نحن فكل إنسان منا فلا يخلو من أحد وجهين : إما أن يكون لم يتفقه في الدين ، أو يكون قد تفقه في الدين ولا سبيل إلى وجه ثالث ، فالذي لم يتفقه في الدين وليس من الذين خاطبهم الله بقوله تعالى :
* ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * ولا من الذين خوطبوا بالفتيا والحكم في تحريم المرضعات ، ولا من المأمورين بجلد الزناة ، وإنما أمر بذلك كله الفقهاء والحكام العالمون باللغة والفقه ، بلا خلاف من أحد من المسلمين في ذلك . وقد بين تعالى ذلك بقوله : * ( وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذ رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) * فصح بالنص أنه ليس كل أحد مأمورا بالتفقه في غيما يخصه في نفسه .
فصح بما ذكرنا أن المأمورين بتنفيذ الاحكام والفتيا في الدين الفقهاء الذين قد سمعوا النصوص كلها ، وعرفوها وعرفوا الاجماع والاختلاف ، وأن كل من كان بخلاف هذه الصفة ، فلم يأمر قط بقطع من سرق جبالا من ذهب ، ولا بأن يفتي في تحريم من أرضعت ألف رضعة ولا بجلد زان حرا أو عبدا وكل متفقه فقبل أن يكمل تعلم النصوص والإجماع فهو ، غير مأمور ولا مخاطب بالحكم في شئ ولا بالفتيا في شئ ، لكنه مأمور بالطلب والتعليم ، فإذا فقه فحينئذ لزمه تنفيذ ما سمع على عمومه وظاهره ، ما لم يأت نص بنسخ أو تخصيص أو تأويل ، فبطل سؤالهم بطلانا ظاهرا ، والحمد لله تعالى .
ولكنا نقول : لو أن امرأ سمع هذه الآيات ، ولم يسمع ما خصصها لكان حكى العمل بما يبلغه التخصيص ، فيلزمه حينئذ كما قلنا في المنسوخ ، سواء بسواء وليس بعد النبي صلى الله عليه وسلم من أحاط بجميع العلم ، وإنما يلزم كل واحد ما بلغه ، وقد رجم عثمان التي ولدت لستة أشهر ، وقد أمر عمر برجم مجنونة حتى نهاه علي عن ذلك وأخبره بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن القلم مرفوع عن المجنون .
قال علي : وهم تناقضوا في هذه الآيات بلا دليل ، فحملوا بعضها على العموم ، وبعضها على الخصوص ، فتركوا قولهم بالوقف ، وحملوا على العموم ما قد صح