الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٤٨ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
ولا بد أيضا من لفظ يحضر به عن بعض ما تحت الجنس ، ليفهم المخاطب بذلك ما يريد ، ومبطل هذا مبطل للعيان ، جاحد للضرورات .
وسألوا أيضا فقالوا : إن كان قولكم بالعموم والظاهر حقا ، فما قولكم فيمن سمع آية قطع يد السارق ، وآية جلد الزناة ، وآية تحريم المرضعات لنا ، والراضعات معنا ، ولم يسمع أحاديث التخصيص لكل ذلك ، ولا آية التخصيص للإماء ، أتأمرونه بقطع يد من سرق فلسا من ذهب ، وبجلد الأمة والعبد مائة مائة إذا زنيا ، وتحرمون من أرضعت رضعتين ، وتقولون إنه مأمور من عند الله تعالى بذلك ؟
فلزمكم القول بأنه مأمور بما لم يأمر به ، والقول بأنه مأمور بالباطل أو تأمرونه بأن لا ينفذ شيئا من ذلك حتى يطلب الدليل فيتركون القول العموم بالظاهر .
قال علي : فنقول ، وبالله تعالى التوفيق : إن الله تعالى لم يأمر قط بقطع سارق أقل من ربع دينار ذهبا ولا حرم قط من أرضعت أقل من خمس رضعات ، ولا أمر قط بجلد العبد والأمة أكثر من خمسين ، لان الرسول عليه السلام قد بين كل ذلك وكلامه عليه السلام وكلام ربه سواء ، في أنه كله وحي ، وفي أنه كله لازمة طاعته ، فالآيات التي ذكروا ، والأحاديث المبينة ، لها مضموم كل ذلك بعضه إلى بعض غير مفصول منه شئ عن آخر ، بل هو كله كآية واحدة أو كلمة واحدة ، ولا يجوز لاحد أن يأخذ ببعض النص الوارد دون بعض ، وهذه النصوص وإن فرقت في التلاوة فالتلاوة غير الحكم ، ولم تفرق في الحكم قط ، بل بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع ورود الآي معا ، ولا يفرق بين قوله تعالى : * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * مع قوله عليه السلام : لا قطع في أقل من ربع دينار فصاعدا وبين قوله تعالى : * ( ألف سنة إلا خمسين عاما ) * . وكذلك لا فرق بين قوله تعالى : * ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) * وبين نزول خمس رضعات محرمات ناسخة لعشر محرمات ، وبين قول القائل : لا إله إلا الله ، فلا يجوز أن يفصل شئ من ذلك في الحكم عن بيانه ، كما لا يحل لاحد أن يأخذ القائل لا إله إلا الله في بعض كلامه دون بعض ، فيقضي عليه بقوله : لا إله بالكفر ، لكن نضم كلامه كله بعضه إلى بعض فنأخذه بكلامه وكذلك إذا نزلت الآية المجملة أتى بعقبها الأحاديث المفسرات فكان ذلك