الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٤٥ - الباب الثالث عشر في حمل الأوامر على العموم
الصلاة وآتوا الزكاة ، في غير ما موضع ، ومن أمره تعالى بالايمان واجتناب الكفر في غير ما سورة ، ومن ذكر النار والجنة في غير ما سورة فما كان ذلك مسقطا لوجوب ما وجب من ذلك كله إذ كرره ، ولكان ذلك واجبا بذكره مرة واحدة ، كوجوبه إذا ذكر ألف ألف مرة ولا فرق ، ولكان الشك في خبر ذكر مرة واحدة ، أو تكذيبه يوجب الكفر ، كوجوب الكفر بالشك فيما كرره ألف مرة ، وكوجوب الكفر بتكذيبه ولا فرق ، وقد ذكر تعالى قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن ، ولم يذكر قصة يوسف عليه السلام إلا مرة واحدة ، ولا فرق عند أحد من الأمة بين صحة قصة يوسف ، وبين صحة قصة موسى عليهما السلام ، ومن شك في ذلك فهو كافر مشرك حلال الدم والمال ، فالتأكيد كالتكرار ولا فرق ، ولو لم يؤكد تعالى ما أكد لكان واجبا وعاما ، لا يقتضيه اسمه ، كوجوبه مع التأكيد ، ولا فرق ، وإنما معنى التأكيد كمعنى قول القائل : أنا شهدت فلانا ، ونظرت إليه بعيني هاتين ، وهو يفعل أمر كذا ، وقد علمنا أن النظر لا يكون إلا بالعينين ، وكذلك يقول سمعت بأذني والسمع لا يكون إلا بالإذنين ، ولو سكت عن ذلك لعلمنا من خبره كالذي علمنا إذا ذكر العينين والأذنين ولا فرق .
وأيضا فإن الاستثناء جائز بعد التأكيد ، كجوازه قبل التأكيد فنقول :
رأيت الوجوه إلا فلانا ، فلو كان التأكيد مخرجا للكلام عن الخصوص إلى العموم لما جاز فيه الاستثناء ، فصح أنه بمنزلة التكرار ولا فرق .
قال علي : ثم نعكس عليهم سؤالهم الفاسد ، فنقول لهم : لو جاز أن تكون صيغة العموم للخصوص لما جاز أن يدخل عليها للتأكيد فينقلها إلى العموم ، وهذا لهم لازم ، لأنهم صححوا هذا السؤال ، فكل من صحح القضية فهي لازمة له ، وليست لازمة لمن يصححها ولا ابتدأ السؤال .
قال علي : ولو صح قولهم لوجب أن يكون كل شئ انتقل عن حاله باطلا ، وأن يكون ذلك الانتقال دليلا على أن المنتقل لم يكن حقا ، لأنه يلزمهم أن الشئ لو كان حقا لما صار باطلا ، ولما قام دليل على بطلانه ، ونحن نجد الحياة للانسان باتصال النفس في الجسد ، ثم تذهب تلك الحياة وتبطل بيقين ، فيلزمهم إذ قالوا :