الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٩٧ - فصل في كيفية ورود الأمر
بذلك ، إلا إذا قام إلى الصلاة فقط ، فمتى أراد صلاة تطوع أو صلاة فرض فهو قائم إلى الصلاة ، ولم يخص تعالى بذلك القيام إلى الصلاة فرض دون القيام إلى صلاة تطوع ، فله حينئذ أن يغتسل ويتوضأ ، فإذا أتمها فله أن يؤخر التطوع ما شاء ، وله تأخير الفرض بمقدار ما يدركها مع الامام ، أو كان ممن عليه فرض حضورها في الجماعة ، أو إلى آخر وقتها ، إن كان ممن لا يلزمه فرض حضورها في جماعة ، ثم لا يحل له تأخيرها أصلا أكثر .
وأما من لا يريد صلاة ، ولا يمكنه صلاة ، كالحائض إثر الجماع ، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه طاف على جميع نسائه ، واغتسل بين كل اثنتين منهن ، فصح بهذا النص أن الغسل جائز تعجيله ، وإن لم يرد الصلاة بعده ، وبالله تعالى نتأيد فلما أبيح لنا ذلك كان المفرق والمتابع يقع على فعلهما اسم وضوء وغسل على السواء وقوعا مستويا ، وكان في غسله عضوا من أعضائه بنية ما أبيح له من تعجله ، مؤديا لفرض غسل ذلك العضو ، ولكل عضو حكمه فمن فرق غسله أو وضوءه ما لم يقم إلى الصلاة فلم يترك مسارعة أمر بها حتى إذا أراد القيام إلى الصلاة ، إما مع الامام ، وإما في آخر وقتها ، ففرض عليه المسارعة إلى إتمام وضوئه وغسله .
وكذلك قلنا في قضاء رمضان : إنه إنما أمر تعالى بأيام أخر ، ولم يشترط فيها المتابعة ، فمن بادر إلى صيامها فقد أدى فرض الصوم وفرض البدار ، ومن لم يبادر وصام فقد أدى فرض الصوم ، وعصى في ترك فرض المسارعة .
وكذلك نقول فيمن لم يعجل تأدية زكاته في أول أوقات وجوبها ، وفيمن أخر الحج عن أول أوقات الامكان ، أنه إن حج وزكى بعد ذلك فقد أدى فرض الزكاة والحج ، وعليه إثم المعصية بترك المسارعة ، لا يسقط ذلك الاثم عنه أداء ما أدى من ذلك إلا في الموازنة يوم القيامة ، يوم وجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا .
قال علي : ومما يوجب أيضا فرض المبادرة إلى الطاعة ، قول الله تعالى : * ( والسابقون السابقون ئ أولئك المقربون ) * وقد قال عليه السلام : لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله تعالى أو كلاما هذا معناه ، هذا وإن كان إنما أوجب أن يقول عليه السلام تأخر قوم عن الصف الأول لبعض الامر المكروه ، فهو محمول على ظاهره ومقتضى لفظه على ما قد أثبتنا وجوبه في الفصل الذي قبل هذا