الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٩٠ - فصل في كيفية ورود الأمر
وإنك لئيم ، علمنا أن الألفاظ لا تنبئ عن المعاني بمجردها .
قال علي : هذا كل ما موهوا به ، وهؤلاء هم السوفسطائيون حقا بلا مرية ، وقد علم كل ذي عقل أن اللغات إنما رتبها الله عز وجل ليقع بها البيان ، واللغات ليست شيئا غير الألفاظ المركبة على المعاني ، المبينة عن مسمياتها قال الله تعالى :
* ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) * واللسان هي اللغة بلا خلاف ههنا ، فإذا لم يكن الكلام مبينا عن معانيه . فأي شئ يفهم هؤلاء المخذولون عن ربهم تعالى ، وعن نبيهم صلى الله عليه وسلم بل بأي شئ يفهم به بعضكم بعضا ؟ .
ويقال لهم : إذا أمكن ما قلتم فبأي شئ نعرف مرادكم من كلامكم هذا ؟
ولعلكم تريدون به شيئا آخر غير ما ظهر منه ، ولعلكم تريدون إثبات ما أظهرتم إبطاله . فبأي شئ أجابوا به فهو لازم لهم في عظيم ما أتوا به من السخف ، وهؤلاء قوم قد أبطلوا الحقائق جملة ، ومنعوا من الفهم بالبتة ، فيكاد الكلام يكون معهم عناء لولا كثرة من اغتر بهم من الضعفاء ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أنذر باتخاذ الناس رؤساء جهالا فيضلون ويضلون .
وأما قول بكر : إن الخوارج إنما ضلت باتباعها الظاهر ، فقد كذب وأفك وافترى وأثم . ما ضلت إلا بمثل ما ضل هو به ، من تعلقهم بآيات ما وتركوا غيرها ، وتركوا بيان الذي أمره الله عز وجل أن يبين للناس ما نزل إليهم ، كما تركه بكر أيضا ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو أنهم جمعوا آي القرآن كلها ، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وجعلوه كله لازما وحكما واحدا ومتبعا كله لاهتدوا على أن الخوارج أعذر منه ، وأقل ضلالا ، لأنهم لم يلتزموا قبول خبر الواحد ، وأما هو فالتزم وجوبه ، ثم أقدم على استحلال عصيانه .
والقول الصحيح ههنا : هو أن الروافض إنما ضلت بتركها الظاهر ، واتباعها ما اتبع بكر ، ونظراؤه من التقليد ، والقول بالهوى بغير علم ولا هدى من الله عز وجل ولا سلطان ولا برهان ، فقال الروافض : * ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) * قالوا : ليس هذا على ظاهره ، ولم يرد الله تعالى بقرة قط ، إنما هي عائشة رضي الله تعالى عنها ، ولعن من عقها ، وقالوا : ( الجبت والطاغوت ) ليسا على ظاهرهما