الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٨٣ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
قال علي : وفي هذا بيان جلي في حمل أوامر الله تعالى وأوامر نبيه صلى الله عليه وسلم على الوجوب ، وعلى الظاهر منها ، ومن تلك الأوامر أمره تعالى أن يطاع رسوله عليه السلام . وفي قوله عليه السلام المذكور لأبي سعيد ، بيان جلي في صحة ما أثبتناه قبل ، من استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني واستعمال جميع الأوامر ، لأنه تعالى قال : * ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ) * وقال تعالى : * ( ولا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) * فخص عليه السلام دون سائر الناس ، أن يكلمه المصلون إذا كلمهم ، ولا يكون ذلك قاطعا لصلاتهم .
وبهاتين الآيتين والحديث المذكور بطل قول من قال : بأن المصلين يكلمون الامام إذا وهل في صلاته ورام أن يحتج في ذلك بحديث ذي اليدين ، فبالنصوص التي ذكرنا أيقنا أن ذلك خاص للنبي صلى الله عليه وسلم دون من سواه ، وسبحان من يسر لإخواننا المالكيين ، أن يجعلوا الخصوص في هذا المكان عموما ، وأن يجعلوا العموم الذي نص عليه السلام على أنه عموم ، وغضب على من أراد أن يجعله خصوصا ، من القبلة في صيام رمضان ، فجعلوه خصوصا كل ذلك بلا دليل وحسبنا الله ونعم الوكيل .
قال أبو محمد : وأما من استجاز أن يكون ورود الوعيد على معنى التهديد ، لا على معنى الحقيقة ، فقد اضمحلت الشريعة بين يديه ، ولعل وعيد الكفار أيضا كذلك ، ومن بلغ هذا المبلغ فقد سقط الكلام معه ، لأنه يلزمه تجويز ترك الشريعة كلها ، إذ لعلها ندب ، ولعل كل وعيد ورد إنما هو تهديد ، وهذا مع فراقه المعقول خروج عن الاسلام ، لأنه تكذيب لله عز وجل ، وبالله تعالى التوفيق .
ومما يبين أن أوامر الله تعالى كلها على الفرض حتى يأتي نص أو إجماع ، أنه ليس فرضا قوله تعالى : * ( ) * .
قال علي : فعدد الله تعالى في كفر الانسان أنه لم يقض ما أمره به ، وكل من حمل الأوامر على غير الفرض واستجاز تركها ، فلم يقض ما أمره وفيما ذكرنا كفاية ، وبالله تعالى التوفيق .