الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٦٩ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
منها بدليل ، ونقول قبل ذلك : إنما لجأ إلى القول بالوقف وتعلق بهذه العوارض ، وسلك في هذه المضايق من بهر شعاع الحق عقله ، والتمع نور الله تعالى بصر قلبه ، وارتبك في غيه ناصرا لما قد ألفه من الأقوال الفاسدة ، وطمعا في إطفاء ما لا ينطفئ من ضياء الحق ، وإنما التزموا ذلك في مسائل يسيرة ، ثم تناقضوا فأوجبوا أحكاما كثيرة ، فرضا بنفس الامر مما قد خالفهم فيها غيرهم ، وفعلت كل طائفة منهم مثل ما فعلت الأخرى .
قال أبو محمد : فأول ذلك أنه لا يعقل أحد من أهل كل لغة أي لغة كانت من لفظة افعل أو اللفظة التي يعبر بها في كل لغة عن معنى : افعل ، ولا يفهم منها أحد لا تفعل ، ولا يعقل أحد من لفظة لا تفعل ، أو مما يعبر به عن معنى : لا تفعل ، ولا يفهم منها أحد افعل ، ومدعي هذا على اللغات وأهلها في أسوأ من حال الكهان وقد قال تعالى : * ( قتل الخراصون ) * .
قال علي : ويقال لهم : بأي شئ تعرفون أن في الأوامر شيئا على الوجوب مما تقرون فيه أنه واجب ، فأجابوا عن ذلك بجوابين ، أحدهما : إن قال بعضهم :
نعرف أن الامر على الوجوب إذا اقترن معه وعيد . وقال بعضهم : لسنا نجدد دلائل الوجوب ، وهي أشياء تقترن بالأوامر التي يراد بها الايجاب ، ولسنا نقدر على العبارة عنها .
قال علي : أما هؤلاء فقد أقروا بالانقطاع وبالعجز عن بيان مذهبهم ، وإذا كان شئ لا يقدر على بيانه ، فباليقين أن العجز عن نصره أوجد وليس يعجز أحد له لسان ، وليس له حياء ولا ورع ، أن يدعي ما شاء فإذا سئل عن دليل قوله وبيانه قال : إني لا أقدر على بيانه ، ولكنه شئ معلوم إذا عرف .
قال علي : ولسنا ممن يجوز عليه هذا الهذيان ، ولكنا نقول لمن هذا : صف لنا حال نفسك في معرفتك ما عرفت أنه واجب ، فإن عجزت عن ذلك بان كذبك وادعاؤك الباطل : لان كل واحد يدعي حالا يستدل بها على حقيقة ليست من أوائل المعارف فهو مميز لتلك الحال والا فهو مدع للباطل .