الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٦٨ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
واحتج على بعضهم بالخبر الثابت من طريق أنس : أن رجلا اتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر النبي عليه السلام علي بن أبي طالب أن يقتله فأتاه فوجده في ركي يتبرد ، فأمره بالخروج فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر له فتركه وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، وزاد بعض من لا يوثق به في هذا الخبر أن عليا قال له : يا رسول الله أنفذ لأمرك كالسكة المحماة ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال له : بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب وقد ذكر هذا اللفظ أيضا في خبر بعثه عليه السلام عليا إلى خيبر ، وكلاهما لا يصح أصلا ، بل هما زيادتا كذب ، لم يرو قط من طريق فيها خير ، ويلزم من صححها أن يسقط من الصلاة ثلاث صلوات ، أو من كل صلاة ركعة إن رأى ذلك أصلح ، أو ينقل صوم رمضان إلى الربيع رفقا بالناس ، إذ الشاهد يرى مالا يرى الغائب ، وأن يزيد في الحدود والزكاة ، أو ينقص منها ، وهذا كفر صريح فبطل التعلق بهذا اللفظ الموضوع .
وكذلك ما روي أنه عليه السلام أمر أبا بكر وعمر بقتل ذي الخويصرة فرجعا وقال أحدهما : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدته ساجدا ، وقال الآخر : وجدته راكعا ، فهو خبر كاذب لم يأت قط من طريق خير ، وأما أمره عليه السلام بقتل ذلك الانسان فيخرج على أحد وجهين : إما أنه شهد عند النبي عليه السلام بذلك قوم عدول في الظاهر ، منافقون في الباطن كاذبون بأنهم سمعوه يقر بذلك فوجب عليه القتل لأذاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ففضح الله كذبهم ، وأما أنه تعالى أوحى إليه بالامر بقتله ، وقد علم تعالى أنه سينسخ ذلك الامر بإظهار براءته ، وكذب الناقل ، وكلا الامرين وجه صحيح ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فإذا قد ذكرنا كل ما شغبوا به ، فلنذكر إن شاء الله تعالى البراهين المصححة أن الأوامر كلها على الوجوب ، والنواهي كلها على التحريم إلا ما خرج