الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٦٥ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
والجواب عن هذا السؤال السخيف وبالله تعالى التوفيق : أنا قد أخبرنا - فيما خلا وفي سائر كتبنا - بأننا مضطرون إلى معرفة أن الأشياء حقائق ، وأنها موجودة على حسب ما هي عليه ، وبأنه لا يدري أحد كيف وقع له ذلك وبينا أن هذه المعرفة - التي اضطرنا إليها ، وخلقها الباري تعالى في أنفسنا في أول أوقات فهمنا بعد تركيبها في الجسد ، هي أصل لتمييز الحقائق من البواطن ، وهي عنصر لكل معرفة ، وإننا عرفنا إيجاب الأوامر ببديهة العقل وبالتمييز الموضوعين فينا ، لنعرف بها الأشياء على ما هي عليه ، فعلمنا أن الحجر صليب ، وأن الماء سيال في طبعه ، وإن انتقل إلى الجمود في بعض أحواله ، وأن قول القائل : فلان أحمق ، ذم ، وأن قوله : فلان عاقل مدح ، وأن الامر عنصر من عناصر الكلام التي هي خير ودعاء واستفهام وأمر ، فلما استقر في النفس أن إرادة الامر أن يفعل المأمور ما يأمره به ، معنى قائم في النفوس لم يكن له بد من عبارة يقع بها التفاهم ، وعلمنا ذلك أيضا بنصوص سنذكرها في تمام إبطال ما شغبتم به إن شاء الله تعالى ، وبالله نتأيد وإياه نستعين .
هذا كل ما احتج به القائلون بالوقف ولا مزيد ، فقد أبطلناه بالبرهان الضروري بتوفيق الله تعالى وتعليمه لا إله إلا هو ، إلا أن ابن المنتاب المالكي أتى بعظيمة فلزمنا التنبيه عليها إن شاء الله تعالى وذلك أنه قال : إن من الدليل على أن الأوامر على الوقف قول الله تعالى مخبرا عن أهل اللغة الذين هم العرب :
( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا فال فلو كانت الأوامر على الوجوب ، والألفاظ على العموم ، لما كان لسؤالهم عما قاله عليه السلام معنى إذ لو فهم الوجوب والعموم من نفس اللفظ لكان سؤالهم فاسدا .
قال علي : لا يشبه هذا القول احتجاج مسلم ، لان الله تعالى حكى هذا الاعتراض عن قوم منافقين كفار ، لم يرض فعلهم ولا سؤالهم ، وإنما حكى الله عز وجل ذلك عنهم منكرا عليهم ، وقد قال تعالى أو يكفهم أنا أنزلنا عليك