الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٦٣ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
قال علي : وفي هذا إبطال الكلام كله وإبطال التفاهم وفساد الحق والشرائع كلها والعلوم كلها ، لأنه لا قول إلا وقد يوجد موضوعا في غير بنيته في اللغة ، إما على المجاز أو الاتفاق بين المتخاطبين ، فلو وجب من أجل ذلك أن يبطل حمل الأسماء على معانيها التي رتبت لها في اللغة لبطل كل ما ذكرنا ، وكفى فسادا بكل قول أدى إلى إبطال الحقائق ، وبالله تعالى التوفيق قال علي : فإن قالوا : إنا لم نوافقكم على أن لفظ الامر موضوعه في اللغة الوجوب ، فيلزمنا ما ألزمتمونا ، وإنما قلنا : إنه ليس موضوعه في اللغة الوجوب دون الندب ، ولا الندب دون الوجوب .
قال علي : فنقول وبالله تعالى التوفيق : قد أبطلنا في كلامنا هذا جواز وقوع لفظ الامر على الوجوب وعلى الندب معا ، وفرقنا بين ذلك وبين وقوع الألفاظ المشتركة مثل لون وعير على معان شتى ، وبينا أن ذلك جائز ممكن موجود ، وأن وقوع لفظ الامر على الوجوب وعلى الندب معا محال ممتنع لا سبيل إليه ، ولا يتشكل في العقل البتة فصح ضرورة أن لفظ الامر موضوع في أصل اللغة ، إما للوجوب فقط - ثم نقل بدليل كما ذكرنا في بعض المواضع إلى الندب ، أو إلى غير الوجوب من سائر المعاني التي سنبينها إن شاء الله تعالى ، وإما أنه موضوع في أصل اللغة للندب خاصة ، أو لمعنى ما من سائر المعاني التي قد وردت بلفظ الامر ، ثم نقل إلى الوجوب بدليل ، فهذا هو الذي يتشكل في العقل ، وأما احتمال وقوع لفظ الامر على الندب والوجوب معا في وقت واحد ، فهذا باطل لأنه يوجب أن ورود الامر لا حقيقة له أصلا ، ولا له معنى البتة ، وهذا أحمق من قول السوفسطائية فهذا الذي أردنا أن نبين إحالته ، وقد صح والحمد لله .
ولا بد لكم من المصير إلى أحد الخبرين ضرورة ، إما أن تقولوا : لفظ الامر موضوع للوجوب في اللغة ، حتى يصح دليل بنقله إلى غير الوجوب ، وهذا قولنا ، وإما أن تقولوا : لفظ الامر موضوع لغير الوجوب في اللغة ، حتى يصح دليل ينقله إلى الوجوب ، فإن قلتم ذلك ، سهل أمركم بقول وجيز بحول الله وقوته ، وحسبنا أن قد قلعناكم بلطف الله عن مكان الشغب على الجهال ، وذلك أن قول القائل :
الأوامر كلها على غير الوجوب حتى يصح دليل نقلها إلى الوجوب ، دخول