المبين في اصطلاحات الحكماء و المتكلمين - الآمدي، علي بن محمد - الصفحة ١٠١ - (٢) سيرة الآمدي و آثاره
و هذا كله يؤكّد ما تمتّع به الآمدي من الذكاء المفرط و المعرفة الواسعة بالعلوم العقليةrational sciences ، فأمدّته عبقريته بمنزلة [١٦] رفيعة في الدوائر الفلسفية بالقاهرة، فحقق بالتدريس شهرة [١٧] عظيمة، صارت تسبب له المتاعب مع حسّاده حتى اتهم في عقيدته، لان حاسديه ألبوا عليه الآراء، و انقلبوا خصوما اشداء «فتعصبوا عليه و نسبوه الى فساد العقيدة و التعطيل و مذهب الفلاسفة». [١٨] و يتضح من سياق نشاطه الفكري انه استنفذ طاقته كاملة في تحديد موقفه الخاص من الفقهاء، فألف كتاب «الاحكام في اصول الاحكام» الذي اودع فيه كل عبقريته في علم الاصول، تماما كما فعل بالنسبة لعلم الكلام عند ما الف كتابه «ابكار الافكار»، و في الفلسفة عند ما كتب «دقائق الحقائق» [١٩] فلم تفد مكانة الآمدي المرموقة بين علماء مصر، و لا مشيخته للجامع الظافري، و لا محبة العديد من رجال الفكر و الفلسفة له و اعجابهم الشديد بشخصيته، من تفتيت صلابة موقف حسّاده منه؛ فاضطر ازاء ذلك الى الخروج من مصر كلها؛ سنة ٦١٥/ ١٢١٨- ١٢١٩، بعد ثلاثة و عشرين عاما من الاستاذية للعلوم العقلية في دوائر الفلسفة بالقاهرة.
لقد كان خروج الآمدي «عن مصر الى الشام» [٢٠]، كأنه هروب بجلده من فعل حسّاده و المؤلبين عليه؛ فتكرر معه ما حدث له ببغداد قبل ربع قرن من الزمان؛ لكنه هذه المرة في أشد حالة، اذ «خرج متخفيا الى حماه» [٢١]. أمّا لما ذا اختار حماه دون غيرها من مدن الشام، فهذا ما لا تفصح عنه المصادر القديمة؛ لكننا نعتقد أن الآمدي، و قد بلغ سن الرابعة و الستين من عمره،
[١٦] sourdel ,E .I .,l ,p .٤٣٤ b .
[١٧] الزركلي، الاعلام، ٥/ ١٥٣.
[١٨] ايضا، الاقتباس السابق؛ و قارن:Sourdel ,op .cit .,p .٤٣٤
[١٩] سأتحدث عن هذه الكتب فيما بعد.
[٢٠] القفطي، تاريخ الحكماء، ط. لبرت. ص ٢٤٠- ٢٤١، ط. القاهرة. ص ١٦١.
[٢١] انظر: الزركلي، الاعلام، ٥/ ١٥٣.