بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٣٦٩ - خطبة أخرى له عليه السلام في بعثة النبي (ص) وإنذاره بما يأتي من زمان السوء
ويسره للحسنى، فان جار الله آمن محفوظ، وعدوه خائف مغرور، فاحترسوا من الله عز ذكره بكثرة الذكر، واخشوا منه بالتقى، وتقربوا إليه بالطاعة فإنه قريب مجيب.
قال الله عز وجل: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون " [١] فاستجيبوا لله وآمنوا به وعظموا الله الذي لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم [٢] فان رفعة الذين يعلمون ما عظمة الله أن يتواضعوا له، وعز الذين يعلمون ما جلال الله أن يذلوا له وسلامة الذين يعلمون ما قدرة الله أن يستسلموا له، فلا ينكرون أنفسهم بعد حد المعرفة، ولا يضلون بعد الهدى، فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب [٣] والباري من ذي السقم.
واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه، ولن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى، ولن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي تعدى، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع، والتكلف، ورأيتم الفرية على الله وعلى رسوله والتحريف لكتابه ورأيتم كيف هدى الله من هدى، فلا يجهلنكم [٤] الذين لا يعلمون علم القرآن إن علم القرآن ليس بعلم، ما هو إلا من ذاق طعمه، فعلم بالعلم جهله، وبصر به عماه [٥]، وسمع به صممه، وأدرك به علم ما فات، وحيى به بعد إذ مات، وأثبت عند الله عز ذكره الحسنات، ومحابه السيئات، وأدرك به رضوانا من الله تبارك وتعالى.
[١] البقرة: ١٨٦.
[٢] أي يطلب لنفسه العظمة.
[٣] أي الذي به الجرب وهو داء معروف.
[٤] من التجهيل أي لا ينسبوكم إلى الجهل.
[٥] " فعلم بالعلم جهله " أي ما جهل مما يحتاج إليه في جميع الأمور أو كونه جاهلا قبل ذلك أو كمل علمه حتى أقر بأنه جاهل فان غاية كل كمال في المخلوق الاقرار بالعجز عن استكماله والاعتراف بثبوته كما ينبغي للرب تعالى أو يقال: إن الجاهل لتساوي نسبة الأشياء إليه لجهله بجميعها يدعى علم كل شئ واما العالم فهو يميز بين ما يعلمه وما لا يعلمه فبالعلم عرف جهله ولا يخفى جريان الاحتمالات في الفقرتين التاليتين وان الأول أظهر في الجميع بأن يكون المراد بقوله: " وبصر به عماه " أي أبصر به ما عمى عنه أو تبدلت عماه بصيرة. " وسمع به " يمكن أن يقرء بالتخفيف أي سمع ما كان صم عنه أو بالتشديد أي بدل بالعلم صممه يكونه سميعا (قاله المؤلف في المرآة).