بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٣٦٨ - خطبة أخرى له عليه السلام في بعثة النبي (ص) وإنذاره بما يأتي من زمان السوء
سنة الله وتعديت حدوده ولا يدعون إلى الهدى، ولا يقسمون الفئ، ولا يوفون بذمة. يدعون القتيل منهم على ذلك شهيدا، قد أتوا الله بالافتراء والجحود، و استغنوا بالجهل عن العلم ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة [١] وسموا صدقهم على الله فرية، جعلوا في الحسنة العقوبة السيئة، وقد بعث الله عز وجل إليكم رسولا من أنفسكم عزيزا عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم [٢] " وأنزل عليه كتابا عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قرآنا عربيا غير ذي عوج لينذر من كان حيا [٣] ويحق القول على الكافرين فلا يلهينكم الامل، ولا يطولن عليكم الأجل، فإنما أهلك من كان قبلكم أمد أملهم، وتغطية الآجال عنهم حتى نزل بهم الموعود [٤] الذي ترد عنه المعذرة، و ترفع عنه التوبة، وتحل معه القارعة والنقمة [٥].
وقد أبلغ الله عز وجل إليكم بالوعد، وفصل لكم القول، وعلمكم السنة وشرع لكم المناهج ليزيح العلة [٦] وحث على الذكر، ودل على النجاة وإنه من انتصح لله واتخذ قوله دليلا هداه للتي هي أقوم [٧] ووفقه للرشاد، وسدده
[١] المثلة - بالضم -: النكال، قال الفيض رحمه الله -: ومن روى مثلوا - بالتشديد - أراد جدعوهم بقطع الاذن والأنوف.
[٢] " من أنفسكم " أي من جنسكم عربي مثلكم. وقرء من أنفسكم - بفتح الفاء - أي من أشرفكم " عزيز عليه " أي شديد شاق. " ما عنتم " عنتكم ولقاؤكم المكروه. " حريص عليكم " أي على ايمانكم وصلاح شأنكم.
[٣] أي عاقلا فهما فان الغافل كالميت.
[٤] المراد بالموعود الموت.
[٥] القارعة: الشديدة من شدائد الدهر.
[٦] زاح الشئ يزيح زيحا أي بعد وذهب وأزاحه غيره. " الصحاح " [٧] الانتصاح: قبول النصيحة يعنى من أطاع أوامر الله تعالى وعلم أنه إنما يهديه إلى مصالحه ويرد عن مفاسده يهديه للحالة التي اتباعها أقوم وهي من الألفاظ القرآنية " ان هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم " وتلك الحالة هي المعرفة بالله وتوحيده كما في الوافي.