بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٣١٩ - في تقدير الله وتدبيره وصفة السماء
ومنها:
قدر ما خلق فأحكم تقديره، ودبره فألطفت تدبيره، ووجهه لوجهته، فلم يتعدد حدود منزلته، ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته، ولم يستصعب إذا مر بالمضي على إرادته، وكيف صدرت الأمور عن مشيته، المنشئ أصناف الأشياء بلا روية فكر آل إليها، ولا قريحة غريزة أضمر عليها، ولا تجربة أفادها من حوادث الدهور، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور، فتم خلقه، وأذعن لطاعته، وأجاب إلى دعوته ولم يعترض دونه ريث المبطئ، ولا أناة المتلكئ [١] فأقام من الأشياء أودها، و نهج حدودها، ولاءم بقدرته بين متضادها، ووصل أسباب قرائنها [٢] وفرقها أجناسا مختلفات في الحدود والاقدار، والغرائز والهيئات، بدايا خلائق أحكم صنعها، وفطرها على ما أراد وابتدعها.
ومنها في صفة السماء:
ونظم بلا تعليق رهوات فرجها، ولاحم صدوع انفراجها، ووشج بينها وبين أزواجها، وذلل للهابطين بأمره والصاعدين بأعمال خلقه حزونة معراجها [٣] و ناداها بعد إذ هي دخان، فالتحمت عرى أشراجها [٤] وفتق بعد الارتتاق صوامت
[١] الريث البطوء، والأناة - كقناة - اسم من التأني في الامر أي تمكث ولم يعجل والتلكؤ: التوقف والمعنى نفى الريث والأناة عن الأشياء في إجابة الدعوة والاذعان للطاعة.
[٢] القرائن النفوس المقرونة بالأبدان واعتدال المزاج سبب بقاء الروح أي وصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها.
[٣] الرهوات جمع الرهوة وهي المكان المرتفع والمنخفض ونظمها تصفيتها. قال ابن الأثير في النهاية في حديث علي عليه السلام: ونظم رهوات فرجها أي المواضع المتفتحة منها وهو مأخوذ من قولهم رها رجليه رهوا أي فتح. ولا حم أي ألصق. والصدوع جمع صدع وهو الشق وإضافة الصدوع إلى الانفراج من إضافة الخاص إلى العام. ووشج بينها أي شبك الهابطين والساعدين الأرواح العلوية والسفلية. والحزونة: الصعوبة.
[٤] التهمت عرى أشراجها: الأشراج جمع شرج وهي مقبض الكوز، والدلو.
وتسمى مجرة السماء شرجا تشبيها بشرج العيبة، وأشراج الوادي ما انفسح منه.