بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٣٥٦ - خطبته عليه السلام في الصفين
وتعظم تبعات الله عز وجل عند العباد.
فهلم أيها الناس إلى التعاون على طاعة الله عز وجل، والقيام بعدله، و الوفاء بعهده، والانصاف له في جميع حقه، فإنه ليس العباد إلى شئ أحوج منهم إلى التناصح في ذلك، وحسن التعاون عليه، وليس أحد وإن اشتد على رضى الله حرصه، وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما أعطى الله من الحق أهله، ولكن من واجب حقوق الله عز وجل على العباد النصيحة له بمبلغ جهدهم. والتعاون على إقامة الحق فيهم، ثم ليس امرء وإن عظمت في الحق منزلته وجسمت في الحق فضيلته، بمستغن عن أن يعان على ما حمله الله عز وجل من حقه، ولا لامرء مع ذلك خسئت به الأمور، واقتحمته العيون [١] بدون ما أن يعين على ذلك ويعان عليه وأهل الفضيلة في الحال وأهل النعم العظام أكثر في ذلك حاجة وكل في الحاجة إلى الله عز وجل شرع سواء [٢].
فأجابه رجل من عسكره لا يدرى من هو، ويقال: إنه لم ير في عسكره قبل
[١] " ولا لامرء " يعنى مع عدم الاستغناء عن الاستعانة وقوله: " خسئت به الأمور " يقال: خسئت الكلب خسئا طردته وخسأ الكلب بنفسه يتعدى ولا يتعدى. وقد تعدى بالباء أي طردته الأمور أو يكون الباء للسببية أي بعدت بسببه الأمور. وفى بعض نسخ المصدر " حست " بالمهملتين أي اختبرته. واقتحمه: احتقره، وفى النهج " ولا امرء وان صغرته النفوس واقتحمته العيون ". وقوله: " بدون ما أن يعين " أي بأقل من أن يستعان به ويعان والحاصل كما في الوافي أن الشريف والوضيع جميعا محتاجون في أداء الحقوق إلى إعانة بعضهم بعضا واستعانة بعضهم ببعض وكل من كانت النعمة عليه أعظم فاحتياجه في ذلك أكثر لان الحقوق عليه أوفر لازياد الحقوق بحسب ازدياد النعم.
[٢] " سواء " بيان لقوله: " شرع " وتأكيد وإنما ذكره عليه السلام ذلك لئلا يتوهم أنهم يستغنون بإعانة بعضهم بعضا عن ربهم تعالى بل هو الموفق والمعين لهم في جميع أمورهم ولا يستغنون بشئ عن الله تعالى وإنما كلفهم بذلك ليختبر طاعتهم ويثيبهم على ذلك واقتضت حكمته البالغة أن يجرى الأشياء بأسبابها وهو المسبب لها والقادر على امضائها بلا سبب. (منه)