بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٣٥٩ - خطبته عليه السلام في الصفين
في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه. فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل، فاني لست في نفسي بفوق أن اخطئ ولا آمن ذلك من فعلي [١] إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا، وأخرجنا مما كنا فيه [٢] إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى.
فأجابه الرجل الذي أجابه من قبل فقال: أنت أهل ما قلت، والله [والله] فوق ما قلته، فبلاؤه عندنا ما لا يكفر [٣] وقد حملك الله تبارك وتعالى رعايتنا، وولاك سياسة أمورنا، فأصبحت علمنا الذي نهتدي به، وإمامنا الذي نقتدي به، وأمرك كله رشد، وقولك كله أدب، قد قرت بك في الحياة أعيننا، وامتلأت من سرور بك قلوبنا. وتحيرت من صفة ما فيك من بارع الفضل [٤] عقولنا. ولسنا نقول لك
[١] هذا من قبيل هضم النفس، ليس بنفي العصمة مع أن الاستثناء يكفينا مؤونة ذلك وقال المؤلف - رحمه الله -: هذا من الانقطاع إلى الله والتواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق وعد نفسه من المقصرين في مقام العبودية والاقرار بأن عصمته من نعمه تعالى عليه.
[٢] أي من الجهالة عدم العلم والمعرفة والكمالات التي يسرها الله تعالى لنا ببعثة الرسول صلى الله عليه وآله، قال ابن أبي الحديد: ليس هذا إشارة إلى خاص نفسه عليه السلام لأنه لم يكن كافرا فاسلم ولكنه كلام يقوله ويشير به إلى القوم الذين يخاطبهم في أفياء الناس فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا.
[٣] أي نعمته عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها وسترها، أولا يجوز كفرانها وترك شكرها.
[٤] برع في الشئ فاق أقرانه فيه.