اعلام النبلاء بتاریخ حلب الشهباء - الطباخ، محمد راغب - الصفحة ١٢٨ - قال فی وصفه لمدینة حران
ذکر وصف الرحالة أبی الحسین محمد بن أحمد بن جبیر الکنانی الأندلسی لما مرّ به من هذه الدیار فی هذه السنة
قال فی وصفه لمدینة حران:
بلد لا حسن لدیه و لا ظل یتوسط بردیه، قد اشتق من اسمه هواؤه فلا یألف
البرد ماؤه، و لا تزال تتقد بلفح الهجیر ساحاته و أرجاؤه. و لا تجد فیه
مقیلا و لا تنفس منه إلا نفسا ثقیلا. قد نبذ بالعراء، و وضع فی وسط
الصحراء، فعدم رونق الحضارة، و تعرت أعطافه من ملابس النضارة. أستغفر اللّه
کفی بهذا البلد شرفا و فضلا أنها البلدة العتیقة المنسوبة لأبینا إبراهیم
صلّی اللّه علیه و سلم، و له بقبلیها بنحو ثلاثة فراسخ مشهد مبارک فیه عین
جاریة کان مأوی له و لسارة صلوات اللّه علیها و متعبدا لهما. ببرکة هذه
النسبة قد جعل اللّه هذه البلدة مقرا للصالحین المتزهدین و مثابة للسائحین
المتبتلین، لقینا من أفرادهم الشیخ أبا البرکات حیان ابن عبد العزیز حذاء
مسجده المنسوب إلیه، و هو یسکن منه فی زاویة بناها فی قبلته، و تتصل بها فی
آخر الجانب زاویة لابنه عمر قد التزمها و أشبه طریقة أبیه فما ظلم، و
تعرفت منه شنشنة أعرفها من أخزم، فوصلنا إلی الشیخ و هو قد نیف علی
الثمانین فصافحنا و دعا لنا و أمرنا بلقاء ابنه عمر المذکور من رجال
الآخرة، و لقینا أیضا بمسجد عتیق الشیخ الزاهد سلمة فلقینا رجلا من الزهاد
الأفراد فدعا لنا و سألنا و ودعناه و انصرفنا. و بالبلد سلمة آخر یعرف
بالمکشوف الرأس لا یغطی رأسه تواضعا للّه عز و جل حتی عرف بذلک، و وصلنا
إلی منزله فأعلمنا أنه خرج للبریة سائحا. و بهذه البلدة کثیر من أهل الخیر و
أهلها هینون معتدلون محبون للغرباء مؤثرون للفقراء، و أهل هذه البلاد من
الموصل لدیار بکر و دیار ربیعة إلی الشام علی هذا السبیل من حب الغرباء و
إکرام الفقراء، و أهل قراها کذلک فما یحتاج الفقراء الصعالیک معهم زادا.
لهم فی ذلک مقاصد فی الکرم مأثورة. و شأن أهل هذه البلاد فی هذا السبیل
عجیب و اللّه ینفعهم بما هم علیه.