الدّرر النجفيّة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٣٩ - (٣٢) درّة نجفيّة في مراتب المعرفة
صنع ، فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره ، كمن نظر في شعر إنسان أو خطّه أو تصنيفه ورأى فيه الشاعر والمصنف ورأى آثاره من حيث هي آثاره لا من حيث إنه حبر وعفص [١] وزاج [٢] مرقوم على بياض ، فلا يكون له نظر إلى غير المصنف.
فكل العوالم تصنيف الله تعالى ، فمن نظر إليها من حيث إنها فعل الله وعرفها من حيث إنها فعل الله وأحبها من حيث إنها فعل الله ، لم يكن ناظرا إلّا في الله ولا عارفا إلّا بالله ، ولا محبّا إلّا لله ، وكان هو الموحّد الحق الذي لا يرى إلّا الله ، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث هو عبد الله.
فهذا هو الذي يقال فيه : فني في التوحيد ، فإنه فني من نفسه ، وإليه الإشارة بقول من قال : (كنا بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن). فهذه معلومة عند ذوي البصائر ، أشكلت لضعف الأفهام عن دركها ، وقصور قدوة العلماء عن إيضاحها أو بيانها بعبارة مفهمة موصولة للغرض إلى الأفهام ، أو لاشتغالهم بأنفسهم ، واعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم ممّا لا يعنيهم.
فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى ، وانضم إليه أن المدركات كلّها التي هي شاهدة على الله إنما يدركها الإنسان في الصبي عند فقد العقل قليلا قليلا ، وهو مستغرق الهمّ في شهواته ، وقد أنس بمدركاته [٣] ومحسوساته وألفها ، فسقط وقعها من قلبه بطول الانس ، ولذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا أو فعلا من أفعاله تعالى خارقا للعادة عجيبا انطلق لسانه بالمعرفة طبعا ، فقال : سبحان الله ، وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه
[١] العفص : الذي يتخذ منه الحبر ، مولّد. مختار الصحاح : ٢٤٢ ـ عفص.
[٢] الزاج : الشبّ اليماني ، وهو من أخلاط الحبر. لسان العرب ٦ : ١٠٩ ـ زوج.
[٣] في «ح» بعدها : الإنسان.