الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٨١
وحل هذا الاشكال يتم بالتدقيق فيما بيناه من الحاجة إلى الاعتبار إذ انما يلجأ اليه العقل لجهة كشفه عن جهات الحسن والقبح في الفعل فهذا الاعتبار يساوق الحقيقة، لأنه يكون كاشفا عن أمر واقعي، وليس بما هو اعتبار محض، ومن هنا لا يتبع الفاعل الارادي أي معتبر كان بل يتحرى المعتبر المطّلع على جهات الحسن والقبح. وخير مثال على ذلك الاعتبار التشريعي الإلهي فيتبعه الإنسان لأنه صادر من عقل لا محدود ومن المحيط بكل شيء، فهو كاشف عن الواقع والتكوين، وهكذا الاعتبار في القانوني الوضعي لأنه يقتضي صدوره من الكُمّلين في مجتمع بشري ما فيتبعه لهذا الكشف ايضاً، ومن ثَمّ ذكر ارسطو أنه لا يمكن ان يصدر التقنين الا ممن يكون انسانا إلهيا.
اما ما ذكر من الاثارة وهي التغير في التشريع وعدم الثبات فيمكن الجواب عنه بما يلي:
١ ـ ان الحسن والقبح واقعيان فأحكام العقل العملي ليست متغيرة وقد برهنا على ذلك.
٢ ـ ان الاعتبار ليس امرا اعتباطيا يقوم به كل أحد بل لاجل الكشف عن الواقع فيجب ان يتولاه من تكون له تلك القدرة، وآية ذلك ان المقنن الوضعي لا يوكل كل من هب ودبّ بل يتخير من افراد المجتمع فئة خاصة تمتلك الخبرة والتجربة.
٣ ـ هناك نظريتان مشهورتان احدهما المسماة بنظرية التضاد او الديالكتيكية، والاخرى نظرية العقل التجريدي.
والأولى تفترض عدم الثبات والتغير الدائم، واما الثانية فتفترض الثبات ولو بنحو الموجبة الجزئية. وقد اُثري البحث فيهما بنحو تام وكامل، وثبت خطأ الأولى لأنهم لابد ان يفترضوا ثوابت حتى في نفس نظريتهم فيكون نقضا عليهم، اذن لابد من الاستناد إلى ثوابت، واذا افترض ان كل شيء في تغير ولا ثابت، فما هو الهدف من البحث والاكتشافات فما دام لاثبات فالسعي من اجل اكتشاف المجهول لن يصل إلى حد وغاية حيث لا واقع ثابت.