معاني القران للفراء - الفراء، يحيى بن زياد - الصفحة ٣٦٣
وقوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [٣٣] المكر لَيْسَ لليل ولا للنهار، إنما المعنى: بَلْ مكركم [١] بالليل والنهار. وقد يَجوز أن نضيف الفعل إلى الليل والنهار، ويكونا كالفاعلين، لأن العرب تَقُولُ: نهارك صائم، وليلك نائم، ثُمَّ تضيف الفعل إلى الليل والنهار، وهو فِي المعنى للآدميين، كما تَقُولُ: نام لَيْلُكَ وعَزَم الأمرُ، إنما عَزَمه القوم. فهذا مما يُعرف معناه فتتسع بِهِ العرب.
وقوله: زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ [٣٧] (مَنْ) فِي موضع نصب بالاستثناء. وإن شئت أوقعت عليها التقريب، أي لا تقرِّب الأموال إلا من كَانَ مطيعًا. وإن شئت جعلته رفعًا، أي ما هُوَ إلا من آمن.
ومثله (لا يَنْفَعُ [٢] مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وإن شئت جعلت (مَنْ) فِي موضع نصب بالاستثناء. وإن شئت نصبًا بوقوع ينفع. وإن شئت رفعًا فقلت: ما هُوَ إلا من أتى الله بقلبٍ سُلَيْم.
وقوله: (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي) إن شئت جعلت (التي) جامعة للأموال والأولاد لأن الأولاد يقع عليها (التي) فلمّا أن كانا جَمْعًا صلح للتي أن تقع عليهما. ولو قَالَ:
(باللتين) كَانَ وجهًا صوابًا. ولو قَالَ: باللذين كما تَقُولُ: أمّا العسكر والإبل فقد أقبلا. وقد قالت العرب: مرّت بنا غَنَمان سُودان [٣] ، فقال: غَنَمان: ولو قَالَ: غَنَم لجاز. فهذا شاهد لمن قال (بالتي) ولو وجهت (التي) إلى الأموال واكتفيت بِهَا من ذكر الأولاد صلح ذَلِكَ، كما قَالَ مرَّار الأسَدي:
نحن بِمَا عندنا وأنت بِمَا ... عِندك راضٍ والرأيُ مختلفُ «٤»
وقال الآخر:
إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبي وكان وكنت غير غدور «٥»
[١] ش: «مكرهم» .
[٢] الآيتان ٨٨، ٨٩ سورة الشعراء.
[٣] جمع أسود. وقد جمع باعتبار الجمع، ولو راعى اللفظ لقال: سوداوان.
(٤) فى كتاب سيبويه ١/ ٣٧ نسبته إلى قيس بن الخطيم.
(٥) فى كتاب سيبويه ١/ ٣٨ نسبته إلى الفرزدق.