معاني القران للفراء - الفراء، يحيى بن زياد - الصفحة ٣٤٧
كقوله (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ [١] غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) ولو خفضت (غَيْرَ ناظِرِينَ) كَانَ صوابًا لأن قبلها (طَعامٍ [٢] ) وهو نكرة، فتجعل فعلهم تابعًا للطعام لرجوع ذكر الطعام فِي (إِناهُ) كما تَقُولُ العرب: رأيت زيدًا مع امرأة محسن إليها، ومحسنًا إليها. فمن قَالَ: (محسنًا) جعله من صفة زيد، ومن خفضه فكأنه قَالَ: رأيتُ زيدًا مع التي يُحسن إليها. فإذا صَارت الصلة للنكرة أتبعتها، وإن كَانَ فعلًا لغيرها. وقد قَالَ الأعشى:
فقلتُ لَهُ هَذِه هَاتِهَا ... فجاء بأدماءَ مقتَادِهَا
فجعل المقتاد تابعًا لإعراب الأدماء لأنه بمنزلة قولك: دماء يقتادَها فخفضته لأنه صلة لَهَا.
وقد ينشد بأدماء مقتادِها تخفض الأدماء لإضافتها إلى المقتاد. ومعناهُ: بملء يَدَيْ من اقتادها ومثله فِي العربية أن تَقُولُ: إِذَا دعوت زيدًا فقد استغثت بزيد مستغيثه. فمعنى زيد مدح أي أنه كافى مستغيثه.
ولا يَجوز أن تخفض عَلَى مثل قولك: مررت عَلَى رجل حسَنِ وجهه لأن هَذَا لا يصلح حَتَّى تسقط راجع ذكر الأول فتقول: حسن الوجه. وخطأ أن تَقُولَ: مررت عَلَى امرأة حسنةِ وجهِها وحسنةِ الوجه صواب.
وقوله: (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ) فِي موضع خفض تُتبعه الناظرين كما تَقُولُ: كنت غير قائم ولا قاعدٍ وكقولك للوصي: كُلْ من مال اليتيم بالمعروف غير متأثّل مالًا، ولا وَاقٍ مالكَ بِماله.
ولو جعلت المستأنسين فِي موضع نصب تتوهَّم أن تُتبعه بغير [٣] لَمّا أن حُلْت بينهما بكلام. وكذلك كل معنى احتمل وجهين ثُمَّ فرّقت بينهما بكلام جازَ أن يكون الآخر معربًا بخلاف الأول. من ذَلِكَ قولك: ما أنت بِمحسن إلى مَن أحسن إليكَ ولا مُجْمِلًا، تنصب المجمل وتخفضه: الخفض على
[١] الآية ١ سورة المائدة.
[٢] ا: «طعاما» .
[٣] كذا. والأولى: «غير» .