شعراء النصرانيه - لويس شيخو - الصفحة ٧٥٥
ومعه بنو جشم وبنو نصر أبناء معاوية فظفر بهم وساق أموالهم في يوم يقال له يوم اللوى ومضى بها. ولما كان منهم غير بعيد قال: انزلوا بنا. فقال أخوه دريد: يا أبا فرعان (وكانت لعبد الله ثلاث كنى أبو فرعان وأبو ذفافة وأبو أوفى وكلهم قد ذكرها دريد في شعره) نشدتك الله أن لا تنزل فإن غطفان ليست بغافلة عن أموالها. فأقسم لا يريم حتى يأخذ مرباعه وينقع نقيعه فيأكل ويطعم ويقسم البقية بين أصحابه. فبينا هم في ذلك وقد سطعت الدواخن إذا بغبار قد ارتفع أشد من دخانهم وإذا عبس وفزارة وأشجع قد أقبلت. فقالوا: لربيئتهم انظر ماذا ترى. فقال: أرى قوماً جعادً كأن سرابيلهم قد غمست في الجادي. قال: تلك أشجع ليست بشيء. ثم نظر فقال: أرى قوماً كأنهم الصبيان أسنتهم عند آذان خيلهم. قال: تلك فزارة. ثم نظر فقال: أرى قوماً أدماناً كأنما يحملون الجبل بسوادهم يخدون الأرض بأقدامهم خداً ويجرون رماحهم جراً. قال: تلك عبس والموت معهم. فتلاحقوا بالمنعرج من رميلة اللوى فاقتتلوا فقتل رجل من بني قارب وهم من بني عبس عبد الله بن الصمة. فتنادوا: قتل أبو ذفافة. فعطف دريد فذب عنه فلم يغن شيئاً. وجرد دريد فسقط. فكفوا عنه وهم يرون أنه قتل. واستنقذوا المال ونجا من هرب. فمر الزهدمان وهما من بني عبس وهما زهدم وقيس ابنا حزن بن وهب بن رواحة وإنما قيل لهما الزهدمان تغليباً لأشهر الاسمين عليهما كما قيل العمران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما والقمران للشمس والقمر.
قال دريد: فسمعت زهدماً العبسي يقول لكردم الفزاري: إني لأحسب دريداً حياً فانزل فأجهز عليه. قال: قد مات. قال: انزل فانظر إلى سبته هل ترمز. قال دريد: فسددت من حتارها (أي من شرجها) . (قال) فنظر فقال: هيهات أي قد مات فولى عني. (قال) ومال بالزج في شرج دريد فطعنه فيه فسال دم كان احتقن في جوفه. قال دريد: فعرفت الخفة حينئذ. فأمهلت حتى إذا كان الليل مشيت وأنا ضعيف قد تزفني الدم حتى ما أكاد أبصر. فجزت بجماعة تسير فدخلت فيهم فوقعت بين عرقوبي بعير ظعينة فنفر البعير فنادت نعوذ بالله منك. فانتسبت لها فأعلمت الحي بمكاني. فغسل عني الدم وزودت زاداً وسقاء فنجوت. وزعم بعض الغطفانيين أن المرأة كانت فزارية وأن الحي كانوا علموا بمكانه فتركوه فداوته المرأة حتى برىء ولحق بقومه.