نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٨ - الإعلام المسموم
وعلى أيّ حال، فإنّ الآية دليل واضح على حجاب الاعلام المضلل.
وتحدثت الآية الثانية عن «قارون» الغني والمعروف في بني اسرائيل الذي قام يوماً باستعراضٍ لثروته أمام بني اسرائيل.
لقد نُقِل في التواريخ قصص كثيرة في هذا المجال، فكتب بعضهم: ظهر قارون مع فريق يُعدّ بأربعة آلاف رجل وامرأة من الخدم والحشم والجاريات، فالرجال على خيولٍ أَصيلة، بألبسة حمراء، والجاريات على بغال بيض سروجها من ذهب، والجميع مزينون بالحلي والحلى والذهب والمجوهرات [١].
وقد قدر البعض عدد أفراد قارون بسبعين ألفاً، وإذا لم نعتبر هذه الأرقام واقعية، فتعبير القرآن: «فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ فِى زِيْنَتِهِ» يكشف عن عظمة تلك اللقطة، وقد يكون عمله هذا من أجل تحدي واغضاب موسى عليه السلام، أو تثبيتاً لقدرته في بني اسرائيل، أو أنّه جنون عرض القوة والثروة اللتين يُبتَلى بهما كثير من المتمولين والأغنياء، وعلى أيّ حال، فإنّ تلك اللقطات والاعلام المتزامن معها كان بدرجة من العظمة سلبت عقول الكثير من بني اسرائيل وَأَلْقَتْ بستار على أرواحهم حتى جعلتهم يتمنون أن تكون لهم ثروتهُ وقدرته، ويعدونه سعيداً و «ذو حظٍ عظيم».
وبعد ما جاء ذلك اليوم الذي خسف اللَّه الأرض بقارون وثروته بسبب جرائمه وأعماله المشينة، وعلم الجميع بما حَلَّ بِهِ استيقظوا من غفلتهم وأبدوا سرورهم من حيث إنّهم لم يكونوا مثل قارون.
إنّ تأثير الاعلام لا ينحصر على ذلك الزمان فحسب، بل يشمل في كل عصر وهذا أمرٌ لا يُنكر، وان كثيراً من جبابرة الماضي والحاضر يستعينون باستعراض قوتهم وامكانياتهم كاستعراض قارون لأجل تخدير أفكار الناس، وتسخيفها، وسحر أعينهم، وقد
[١]. راجع تفاسير الكبير والقرطبي وروح المعاني في ذيل الآيات في سورة القصص.