نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٦ - ٣- سبعة منامات صادقة في القرآن المجيد
فقد أُمر بذبح ابنه العزيز «اسماعيل»، رغم أنّ الأمر أوحي إليه وهو نائم، أي أنّ الايعاز كان مناماً لا شيئاً آخر، ولنقرأ ما يقوله القرآن في هذا المجال:
«فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يا بُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ». (الصافات/ ١٠٢)
إنّ التعبير ب «أرى» الذي هو فعل مضارع يفيد الاستمرار يدل على أنّ ابراهيم عليه السلام كان يرى الرؤيا كراراً، بحيث حصل له اطمئنان بأنّ الأمر من اللَّه، ولهذا أجابه اسماعيل بهذا الجواب: «يَا أَبتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ».
ولهذا السبب نفسه جاء في الآيتين: «وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا».
(الصافات/ ١٠٤- ١٠٥)
والحادث هذا، دليل واضح لأولئك الذين يقولون بامكانية عد الرؤيا الصادقة نوعاً من أنواع الوحي للانبياء والرسل، كما أنّه قد جاء في بعض الروايات: «إنّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءً من النبوة» [١].
وقد شكك بعض الاصوليين في مسألة نسخ الحكم قبل العمل به إلّاأنّ كلامهم- وكما ذُكِرَ في محله- يختص بالأوامر غير الامتحانية، أمّا في الامتحانية فهو غير صادق، والتعبير ب «قد صدَّقَتْ الرؤيا» دليل على أنّ إبراهيم عليه السلام قد أدى ما عليه بما جاء به من تهيئة المقدمات لهذا الإيثار الكبير.
٤- ومن الرؤى الصادقة في القرآن، هي رؤيا يوسف في بيت أبيه، حيث أشارت إليها الآيات الاولى من سورة يوسف:
«إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ». (يوسف/ ٤)
تنبأ يعقوب مستقبل يوسف والحوادث المقبلة عليه فبشره: «يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ... وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ». (يوسف/ ٦)
يعتقد بعض المفسرين أنّ يوسف رأى هذا في المنام وهو في الثانية عشرة من عمره، وقد
[١]. بحار الأنوار، ج ٥٨، ص ١٦٧ و ١٧٧ و ١٧٨.