نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٩ - ٣- الوحي عند فلاسفة الشرق والغرب
كلام المتقدمين فيه إِشارة إلى ما ذهب إليه المعاصرون أم لا، المهم بالنسبة لنا هو أنّ كثيراً من علماء النفس، بعد اكتشاف عالم اللاشعور وحل بعض المعضلات الروحية عن طريق هذا الاكتشاف، سعى لتبرير ظاهرة الوحي بما يتناسب ويتفق مع هذا الاكتشاف، حيث ادعوا أنّ الوحي هو ترشحات عالم اللاشعور التي تظهر عند الأنبياء على شكل طفرات فكرية بالصدفة.
وقد ساعد الأنبياء في ذلك أحياناً- أمران: الأول النبوغ الفكري، والثاني هو الترويض والتفكير المستمر.
وطبقاً لهذه الفرضية، فإنّ علاقة «الوحي» بعالم ما وراء الطبيعة ليست علاقة من نوع خاص ومغايرة للعلاقات الفكرية والعقلية لبقية أفراد البشر، وأنّ هذا لا يتم عن طريق وجودٍ روحي مستقل باسم «الوحي»، بل هو انعكاس لضمير الأنبياء الخفي، وهذه الفرضية كالسابقة القائلة بأنّ الوحي هو الاتصال بالعقل الفعال، تفتقد الدليل، وقد يكون المراد بهذا من هذا الكلام ليس إثبات حقيقة الوحي، بل مرادهم إنّ ظاهرة الوحي لا تتنافى مع العلوم الحديثة، ويمكن تجلّي عالم اللاشعور لدى الأنبياء.
وبتعبير أوضح، فإنّ العلماء يصرون على تفسير جميع ظواهر العالم طبقاً للقوانين الطبيعية والاصول العلمية التي اكتشفوها، ولهذا فإنّهم بمجرّد مشاهدتهم لظاهرة جديدة، يسعون إلى تحليلها في إطار العلم الحديث، وإذا افتقدوا الدليل في هذا المجال اكتفوا بالفرضيات.
لكن تلقي ظواهر العالم بهذا الشكل ليس صحيحاً، وهذا هو خطأ العلماء الطبيعيين، مفهوم كلامهم هذا هو: إننا فهمنا الاصول والقوانين الاساسية للعالم، ولا توجد ظاهرة خارجة عن اطُر هذه القوانين والاصول.
وهذا ادّعاء محض ولا دليل له، بل لنا دليل على العكس، حيث نشاهد بمرور الزمن اكتشاف اصول وقوانين جديدة لنظام هذا العالم، ولدينا قرائن تثبت أنّ نسبة ما نعلمه عن هذا العالم إلى ما لا نعلمه كنسبة القطرة إلى البحر.