نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦١ - المنافقون عمي القلوب
في صدر الإسلام، حيث إنّ بعض المسلمين رفض الهجرة إلى المدينة، والعجيب في الأمر أنّ قريشاً عندما تحركوا نحو بدر لقتال المسلمين، اصطف هؤلاء المسلمون (المنافقون) في صفوفهم، وكانوا يحدثون أنفسهم أنّهم سيلتحقون بجيش محمد إذا كان جيشه ذا عدد كبير، وسيبقون مع جيش قريش إذا ما كان عدد المسلمين قليلًا [١].
وهل للنفاق مفهوم غير هذا الذي تجسد في هذه المجموعة؟ وإذا لم يكونوا منافقين، فمن هم المنافقون؟
وقد حصل هذا الأمر بالذات في معركة الأحزاب فإنّ شخصيات كثيرة من المنافقين كانت قد حشرت نفسها مع المسلمين، وعندما شاهدوا كثرة الأحزاب قالوا بصراحة: ما وعدنا الرسول إلّاكذباً وباطلًا.
وهذا هو حجاب النفاق الذي لا يسمح لهم من إدراك الحقائق، رغم أنهم شاهدوا بأم أعينهم أن النصر ليس بكثرة العدد، بل بالإيمان والثبات الناشيء عنه.
سؤال:
يطرح سؤال هنا وهو: كيف يكون النفاق حجاباً يحجب عن الحقائق؟
الجواب:
يمكننا الإجابة عن هذا السؤال بالالتفات إلى ملاحظة في هذا المجال وهي: إنّ روح النفاق تستلزم أن يتحرك الإنسان مع كل التيارات وأن يكون مع جميع الفرق، وأن يتخذ صبغة المحيط الذي يعيش فيه، فيفقد في النهاية أصالته واستقلاله الفكري، إنّ طريقة تفكير إنسان كهذا تكون متطابقة دائماً مع طريقة تفكير الفريق الذي يكون معهم، فلا عجب أن يكون حكمه غير صحيح.
[١]. تفسير الكبير، ج ١٥، ص ١٧٦ ذيل الآية ٤٩ من سورة الأنفال.