حكمت نامه لقمان - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٦٢ - فصل دهم حكمت هاى جامع
٣٩٦. البداية و النهاية: قالَ لُقمانُ لِابنِهِ: يا بُنَيَّ العَمَلُ لا يُستَطاعُ إلّا بِاليَقينِ، و مَن يَضعُف يَقينُهُ يَضعُف عَمَلُهُ.
و قالَ: يا بُنَيَّ، إذا جاءَكَ الشَّيطانُ مِن قِبَلِ الشَّكِّ وَ الرَّيبِ فَاغلِبهُ بِاليَقينِ وَ النَّصيحَةِ، و إذا جاءَكَ مِن قِبَلِ الكَسَلِ وَ السَّآمَةِ فَاغلِبهُ بِذِكرِ القَبرِ وَ القِيامَةِ، و إذا جاءَكَ مِن قِبَلِ الرَّغَبةِ وَ الرَّهبَةِ فَأَخبِرهُ أنَّ الدُّنيا مُفارَقَةٌ مَتروكَةٌ.[١]
٣٩٧. الرضا عن اللّه عن سعيد بن المُسَيِّب: قالَ لُقمانُ لِابنِهِ: يا بُنَيَّ، لا يَنزِلَنَّ بِكَ أمرٌ رَضيتَهُ أو كَرِهتَهُ إلّا جَعَلتَ فِي الضَّميرِ مِنكَ أنَّ ذلِكَ خَيرٌ لَكَ.
قالَ: أمّا هذِهِ فَلا أقدِرُ أن اعطِيَكَها دونَ أن أعلَمَ ما قُلتَ إنَّهُ كَما قُلتَ.
قالَ: يا بُنَيَّ، فَإِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ نَبِيّاً، هَلُمَّ حَتّى نَأتِيَهُ فَعِندَهُ بَيانُ ما قُلتُ لَكَ.
قالَ: اذهَب بِنا إلَيهِ.
قالَ: فَخَرَجَ و هُوَ عَلى حِمارٍ، وَ ابنُهُ عَلى حِمارٍ، و تَزَوَّدوا ما يُصلِحُهُم مِن زادٍ، ثُمَّ سارا أيّاماً و لَيالِيَ حَتّى تَلَقَّتهُما مَغارَةٌ، فَأَخَذا اهبَتَهُما لَها، فَدَخَلاها فَسارا ما شاءَ اللّهُ أن يَسيرا حَتّى ظَهَرا و قَد تَعالَى النَّهارُ، وَ اشتَدَّ الحَرُّ، و نَفَدَ الماءُ وَ الزّادُ، وَ استَبطَئا حِمارَيهِما، فَنَزَلَ لُقمانُ و نَزَلَ ابنُهُ، فَجَعَلا يَشتَدّانِ عَلى سَوقِهِما.
فَبَينا هُما كَذلِكَ إذ نَظَرَ لُقمانُ أمامَهُ، فَإِذا هُوَ بِسَوادٍ و دُخانٍ، فَقالَ في نَفسِهِ: السَّوادُ سَحَرٌ[٢]، وَ الدُّخانُ عُمرانٌ و ناسٌ.
فَبَينَما كَذلِكَ يَسيرانِ إذ وَطِئَ ابنُ لُقمانَ عَلى عَظمٍ ناتِئٍ عَلَى الطَّريقِ، فَدَخَلَ مِن باطِنِ القَدَمِ حَتّى ظَهَرَ مِن أعلاها، فَخَرَّ ابنُ لُقمانَ مَغشِيّاً عَلَيهِ، فَحانَت مِن لُقمانَ التِفاتَةٌ، فَإِذا هُوَ بِابنِهِ صَريعٌ، فَوَثَبَ إلَيهِ فَضَمَّهُ إلى صَدرِهِ، وَ استَخرَجَ العَظمَ بِأَسنانِهِ، وَ اشتَقَّ عِمامَهً كانَت عَلَيهِ فَلاثَ بِها رِجلَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إلى وَجهِ ابنِهِ فَذَرَفَت عَيناهُ فَقَطَرَت قَطرَةٌ مِن دُموعِهِ عَلى خَدِّ الغُلامِ، فَانتَبَهَ لَها، فَنَظَرَ إلى أبيهِ و هُوَ يَبكي.
فَقالَ: يا أبَتِ أنتَ تَبكي و أنتَ تَقولُ: هذا خَيرٌ لي، كَيفَ يَكونُ هذا خَيرٌ لي و أنتَ تَبكي؟ و قَد نَفَدَ الطَّعامُ وَ الماءُ، و بَقيتُ أنَا و أنتَ في هذَا المَكانِ، فَإِن ذَهَبتَ و تَرَكتَني عَلى حالي ذَهَبتَ بِهَمٍّ و غَمٍّ ما بَقيتَ، و إن أقَمتَ مَعي مِتنا جَميعاً، فَكَيفَ عَسى أن يَكونَ هذا خَيرٌ لي و أنتَ تَبكي.
قالَ: أمّا بُكائي يا بُنَيَّ فَوَدِدتُ أنّي أفتَديكَ بِجَميعِ حَظّي مِنَ الدُّنيا،
و لكِنّي والِدٌ، و مِنّي رِقَّةُ الوالِدِ.
و أمّا ما قُلتَ: كَيفَ يَكونُ هذا خَيرٌ لي، فَلَعَلَّ ما صُرِفَ عَنكَ يا بُنَيَّ أعظَمُ مِمَّا ابتُليتَ بِهِ، و لَعَلَّ مَا ابتُليتَ بِهِ أيسَرُ مِمّا صُرِفَ عَنكَ.
فَبَينا هُوَ يُحاوِرُهُ إذ نَظَرَ لُقمانُ هكَذا أمامَهُ فَلَم يَرَ ذلِكَ الدُّخانَ وَ السَّوادَ، فَقالَ في نَفسِهِ: لَم أرَ ثَمَّ شَيئاً!؟ قالَ: قَد رَأَيتُ، و لكِن لَعَلَّ أن يَكونَ قَد أحدَثَ رَبّي بِما رَأَيتُ شَيئاً.
فَبَينا هُوَ يَتَفَكَّرُ في هذا إذ نَظَرَ أمامَهُ فَإِذا هُوَ بِشَخصٍ قَد أقبَلَ عَلى فَرَسٍ أبلَقَ، عَلَيهِ ثِيابٌ بَياضٌ، و عِمامَةٌ بَيضاءُ يَمسَحُ الهَواءَ مَسحاً، فَلَم يَزَل يَرمُقُهُ بِعَينِهِ حَتّى كانَ مِنهُ قَريباً فَتَوارى عَنهُ ثُمَّ صاحَ بِهِ فَقالَ: أنتَ لُقمانُ؟
قالَ: نَعَم.
قالَ: أنتَ الحَكيمُ؟
قالَ: كَذلِكَ يُقالُ، و كَذلِكَ نَعَتَني رَبّي.
قالَ: ما قالَ لَكَ ابنُكَ هذَا السَّفيهُ؟
قالَ: يا عَبدَ اللّهِ، مَن أنتَ أسمَعُ كَلامَكَ، و لا أرى وَجهَكَ؟
قالَ: أنَا جِبريلُ، لا يَراني إلّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، أو نَبِيٌّ مُرسَلٌ، لَو لا ذلِكَ لَرَأَيتَني، فَما قالَ لَكَ ابنُكَ هذَا السَّفيهُ؟
قالَ: قالَ لُقمانُ في نَفسِهِ: إن كُنتَ أنتَ جِبريلَ، فَأَنتَ أعلَمُ بِما قالَهُ ابني مِنّي.
فَقالَ جِبريلُ: ما لي بِشَيءٍ مِن أمرِكُما عَلى أن حَفِظتُكُما، ائتيني، فَقَد أمَرَني رَبّي بِخَسفِ هذِهِ المَدينَةِ و ما يَليها، و مَن فيها، فَأَخبَروني أنَّكُما تُريدانِ هذِهِ المَدينَةَ، فَدَعَوتُ رَبّي أن يَحبِسَكُما عَنّي بِما شاءَ فَحَبَسَكُمَا اللّهُ عَنّي بِمَا ابتُلِيَ بِهِ ابنُكُ، و لَو لا مَا ابتُلِيَ بِهِ ابنُكُ لَخَسَفتُ بِكُما مَعَ مَن خَسَفتُ.
قالَ: ثُمَّ مَسَحَ جِبريلُ يَدَهُ عَلى قَدَمِ الُغلامِ فَاستَوى قائِماً، و مَسَحَ يَدَهُ عَلَى الَّذي كانَ فيهِ الطَّعامُ فَامتَلَأَ طَعاماً، و مَسَحَ يَدَهُ عَلَى الَّذي كانَ فيهِ الماءُ فَامتَلَأَ ماءً، ثُمَّ حَمَلَهُما و حِمارَيهِما فَزَجَلَ بِهِما كَما يُزجَلُ الطَّيرُ، فَإِذا هُما فِي الدّارِ الَّتي خَرَجا مِنها بَعدَ أيّامٍ و لَيالي.[٣]
[١] البداية و النهاية: ج ٩ ص ٢٧٠، الدرّ المنثور: ج ٦ ص ٥١٣.
[٢] في الدرّ المنثور:« شجر» بدل« سحر»، و هو الأنسب.
[٣] الرضا عن اللّه لابن أبي الدنيا: ص ٦٥ ح ٢٩، الدرّ المنثور: ج ٦ ص ٥١٤.