تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٧١ - ٧٩٥٠ ـ وارع بن دوالة الكلبي
ذكر أبو بكر البلاذري حدّثني عباس بن يزيد البصري ، عن عبد العزيز بن عبد الحميد ، عن عوانة قال : وفد الوارع بن دوالة الكلبيّ على الحجّاج بن يوسف ، وكانت عينه أصيبت يوم المرج ، فقال له الحجّاج : ما الشجاعة؟ قال : غرائز يجعلها الله في الناس ، قد نجد الرجل شجاعا لا رأي له ، فتلك الشجاعة الضارة لصاحبها ، لأنها تقدم به في حال الإقدام ، وتحجم به في وقت لا إحجام ، فيهلك ويهلك ، وقد تكون الشجاعة نافعة لصاحبها إذا أقدمت به في حين الإقدام وأحجمت به في حين الإحجام ، والله أصلح الله الأمير ، لقد رأيتني يوم مرج راهط وإنّ همام بن قبيصة النّميري لواقف وقد انفضّ عنه أصحابه وإنه من شجاعته لواقف لا يدري ما يصنع ، ولو فرّ لكان الفرار يمكنه ، ولكن حمى أنفا [١] فحمل علي وحملت عليه ، فبادرته بضربة على عاتقه ، فأرديته [٢] عن دابته ، ثم نزلت إليه لأحتز رأسه فتفل في وجهي ثم قال [٣] :
| ألا يا ابن ذات النوف[٤]أجهز على امرئ [٥] | يرى الموت خيرا من فرار وأكرما | |
| ولا تتركني بالخساسة [٦] إنني | أكرّ [٧] إذا ما النكس مثلك أحجما |
فأخذت رأسه فأتيت به مروان ، وقلت هذا رأس همام [٨] بن قبيصة قال : أأنت قتلته؟ قلت : نعم ، قال : فهل أعانك عليه أحد؟ قلت : نعم ، الله وفراغ مدته ، فقال : هو والله كما قال الشاعر :
| وفارس هيجا لا يقام لبأسه | له صولة تزورّ عنها الفوارس | |
| وشدّة ليث يرهب الأسد وقعها | وتذعر منها العاويات العساعس [٩] | |
| جرىء على الإقدام ليس بناكل | ولا يزدهيه الأحوسي [١٠] المقامس [١١] |
[١] أي أخذته الحمية ، والأنفة.
[٢] كذا بالأصل وم و «ز» : فأرديته ، وفي المختصر : فأذريته.
[٣] البيتان في الكامل لابن الأثير ٢ / ٦١٨ (حوادث سنة ٦٤).
[٤] في م : النوق ، وفي «ز» : البوق ، وفي الكامل فكالأصل.
[٥] ابن الأثير : فتى.
[٦] ابن الأثير : بالحشاشة.
[٧] ابن الأثير : «صبور» بدلا من «أكر».
[٨] سماه ابن الأثير : هانئ بن قبيصة النميري.
[٩] العساعس ، يقال عسعس الذئب إذا طاف بالليل. والعسعس والعسعاس الذئب ، أو هو الذئب الطلوب للصيد بالليل (تاج العروس).
[١٠] الأحوسي : الجريء ، والذئب ، والشجاع عند القتال.
[١١] المقامس : الذي يختفي مرة ويظهر أخرى.