بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٨٦ - مسألة
فضيلة القوة البهيمية، و إمّا غير سديد إذا أريد منه ملكة التعفّف عن جميع الكبائر، إذ لا أثر لهذه الملكة المطلقة في النّفس إلّا إذا أرجعت إلى العدالة الأخلاقية التي لا تعتبر في الآثار المترتبة عليها شرعا.
و أمّا كون ملكة العفاف لازما للعدالة فهو أيضا غير سديد، فانّ العدالة الأخلاقية و إن كانت تستلزم ملكة العفّة، إلّا أنّ العدالة الأخلاقية غير معتبرة شرعا، و كونها لازما للاجتناب عن جميع الكبائر لحصول الملكات غالبا بمزاولة الأعمال المناسبة لها، إلّا أنّ الملكة حينئذ معرّفة للاجتناب في ذلك الزمان لا الاجتناب في كلّ زمان، فتدبّر جيدا.
فإن قلت: كون الاجتناب عين العدالة، و كون الاستدلال من باب اللمّ ينافي قوله (عليه السَّلام): «و تعرف باجتناب الكبائر» لأنّ الشيء لا يكون معرّفا لنفسه.
قلت: قد مرّ سابقا أنّ المراد من كون العدالة متحقّقة باجتناب الكبائر أنّها استقامة عملية لا أنّها عين الاجتناب، فتعريف الاستقامة العملية بعدم الانحراف عن الجادة و هو حقيقة اجتناب الكبائر، ليس من باب تعريف الشيء بنفسه، مع أنّ التغاير اللازم في الحدّ التام بنحو الإجمال و التفصيل متحقق هنا، لأنّ الاجتناب كالجنس، و تقيّده بخصوص المعاصي و خصوص كبائرها كالفصل، كما أنّ العدالة إن كانت بمعنى الملكة الخاصة كانت مغايرة بهذا النحو مع ملكة العفاف المنضمّ إلى الكف الفعلي، فلا تغفل.
و أمّا ما عن شيخنا المحقق الأنصاري (برّد اللّه مضجعه)- من أنّ المراد بالاجتناب المعرّف للعدالة هو الاجتناب الظاهر للناس عند معاشرته و مخالطته عن المعاصي التي تظهر للناس، مثل قتل المسلم و الإهانة بالمؤمنين و شتمهم، و قد جعله الشارع طريقا للحكم عليه بأنّه مجتنب في الواقع عن المعاصي الخفيّة، مثل الإفطار في الخلوات و نكاح الحائض و السرقة عند الفرصة و بغض المؤمنين-