بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٤١ - الأمر الثالث في بيان طرق معرفة العدالة
حكاية إسماعيل بن الإمام أبي عبد اللّه الصادق (عليه السَّلام) و من جملة مضامينه ما لفظه: «فقال إسماعيل: يا أبت إنّي لم أره يشرب الخمر إنّما سمعت الناس يقولون، فقال (عليه السَّلام): يا بني إنّ اللّه يقول في كتابه: (يؤمن باللَّه و يؤمن للمؤمنين) يقول: يصدّق للّه و يصدّق للمؤمنين. فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم» الخبر. بتقريب أنّ الإمام (عليه السَّلام) رتّب آثار الواقع على مجرد قول الناس و هو الشياع كما يظهر مما بعد هذه الفقرة، حيث قال (عليه السَّلام): «و لا تأتمن شارب الخمر».
و الجواب أنّه (عليه السَّلام) لم يرتّب جميع آثار الواقع، بل ما ينفع المخبر إليه و لا يضرّ المخبر عنه لموافقته للاحتياط، كما فعل خلاف ذلك في خبر آخر [١]، حيث قال (عليه السَّلام): «كذّب سمعك و بصرك عن أخيك المؤمن، فإذا شهد عندك خمسون قسامة أنّه قال قولا و قال لم أقله فصدّقه و كذّبهم» إلخ. أ لا ترى أنّه أمر بتكذيب خمسين بيّنة عادلة فيما يضرّ المخبر عنه و لا يجدي المخبر إليه، فكيف يأمر بتصديق ما هو أدون من بيّنة عادلة واحدة في ترتيب جميع آثار الواقع؟.
و أضعف من الكلّ ما عن الشهيد [٢] (قدّس سرّه) حيث استدل بالأولويّة، نظرا إلى أنّ الظنّ الحاصل من الشياع أقوى من الحاصل من البيّنة العادلة.
و فيه أنّه لا ظنّ بأن ملاك حجيّة البيّنة إفادتها الظنّ، بل المقطوع خلافه لحجيّتها و إن لم تفد الظنّ الفعلي، مع أنّ لازمه حجيّة الخبر الواحد إذا أفاد من باب الاتفاق ظنّا أقوى من الظنّ الحاصل من البيّنة، مع أنّه على فرض الظنّ
[١] الوسائل: ج ٨، باب ١٥٧ من أبواب أحكام العشرة، ح ٤.
[٢] المسالك: ج ٢، القضاء، ذيل المسألة ٦ من مسائل صفات القاضي.