بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٩١ - الأوّل
مع أنّه (قدّس سرّه) ذكر أوّلا أنّ المراد بالستر صفته، و هي صفة العفاف دون الستر الفعلي المدلول عليه بقوله (عليه السَّلام): «و الدليل على ذلك كله أن يكون ساترا لعيوبه ... إلخ» لئلا يلزم اتحاد الدليل و المدلول، و مقابل التبرّج و هو التظاهر بما يقبح و يستهجن شرعا أو عرفا هو الستر الفعلي دون صفته المرادفة لصفة العفّة، و ليس مقابل صفة العفّة إلّا صفة أخرى تعدّ من الرذائل النفسانيّة، فبين الكلامين تهافت واضح، مضافا إلى أنّه (قدّس سرّه) التزم أوّلا بأنّ المراد بالستر هو ستر العيوب الشرعية لا مطلقا، فلا وجه لجعله هنا أعم بملاحظة ما ذكره بعض المحققين في تفسير التبرّج من أنّه التظاهر بما يقبح و يستهجن عند الشرع و العرف، مع أنّ مراد المحقق المفسر مما يستهجن عند العرف ما يستهجن عندهم بما هم عقلاء، لا لمجرد جري العادة على شيء بحسب الأعصار و الأمصار، كما لا يخفى على الخبير بطريقته، و أنّه في مقام بيان فضائل الأخلاق و توابعها، و رذائل الأخلاق و لوازمها بما هي كمالات للنفس الناطقة و نقائص لها، فالعادات العرفية غير المبتنية على أصول شرعية أو عقلية أجنبية عن المقام، مع أنّ ما عدّ من المنافيات للمروّة كالأكل في السوق لغير السوقي، و كشف الرّأس في المجالس، و مدّ الرّجل بين الناس، و أشباه ذلك، لا تكون بما هي كاشفة عن عدم المبالاة أو عن عدم الحياء بلحاظ نفسها، بل الكاشف هو التظاهر بها فلو أكل في السوق مستخفيا، أو كشف الرّأس بحيث لا يلتفت إليه أحد، لم يكن هناك ما يكشف عن عدم حيائه و قلة مبالاته، فمورد التبرّج المقابل للستر هو التظاهر بما يقبح شرعا أو عقلا، فالمتظاهر به مذموم و التظاهر به مذموم أيضا، كما أنّ فعله متستّرا و إن كان مذموما أيضا إلّا أنّه غير متضمن للتبرّج الّذي هو مذموم، فهو من هذه الجهة ممدوح لكشفه عن مقدار من الحياء و عدم كونه في مقام هتك حرمة المولى، و الكلام هنا في التظاهر الّذي هو بنفسه مستهجن عند العرف فلا دخل له بالتبرّج على التفسير المذكور. و أمّا ما ذكره