بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٨٧ - مسألة
فهو مناف للصحيحة من وجهين: أحدهما تفسيره (عليه السَّلام) للكبائر التي جعل الاجتناب عنها معرّفا بشرب الخمر و الزنا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف، فانّ شيئا من ذلك غير متمحّض في الظهور حتى الأخير. ثانيهما قوله (عليه السَّلام) «و الدليل على ذلك كلّه أن يكون ساترا لعيوبه» فانّه بناء على ما أفاده (قدّس سرّه) من عدم ارتكاب الكبائر الظاهرة في تفسير الاجتناب المعرّف يتّحد مفاده مع هذه الفقرة فلا موجب لإعادته، مضافا إلى أنّ ظاهر قوله (عليه السَّلام): «و يعرف» كقوله (عليه السَّلام) «بأن يعرفوه» على نسق واحد، فأمّا أن يكونا من قبيل المعرّف المنطقي أو الأصولي فحمل قوله (عليه السَّلام): «بأن يعرفوه» على المنطقي، من باب تعريف المعلول بعلّته، و حمل قوله (عليه السَّلام): «و يعرف» على الأصولي، و لذا جعله طريقا ظاهريا إلى العدالة الواقعية، تفكيك ركيك. هذا كلّه بناء على جعل ملكة التعفّف عن جميع القبائح معرفا منطقيا للعدالة. و أمّا لو جعلت معرفا أصوليا، أي طريقا شرعيا إلى وجود العدالة، فأمّا أن تكون العدالة عين ملكة التعفّف، فكونها أمارة على نفسها غير معقول، و أمّا أن تكون ملكة أخرى فقد عرفت سابقا أنّ ملكة التعفّف عن جميع القبائح- على فرض تسليمها- مغنية عن فرض ملكة أخرى تسمّى بالعدالة، و العدالة الأخلاقية و إن كانت غيرها بل هي المنشأ لترك جميع القبائح، لمكان اعتدال جميع القوى و خلو النّفس من جميع الرذائل الداعية إلى ارتكاب القبائح، إلّا أنّها غير لازمة في تحقق العدالة الشرعية.
و مما ذكر ظهر أنّ العدالة ليست هي الاجتناب عن ملكة التعفّف، لأنّ ملكة التعفّف كما لا يمكن أن تكون أمارة على نفسها مستقلا كذلك على نفسها ضمنا، فلا مناص من جعلها أمارة على اجتناب الكبائر من باب جعل المقتضي أمارة على وجود المقتضي، فانّ ما لا يحتاج إلى تعبّد شرعي و يكون واضحا عرفا كون الملكة المؤثرة بالفعل في الاجتناب دليلا عليه، لا الملكة بما