مصابيح الأحكام - السيّد محمّد مهدي الطباطبائي بحر العلوم - الصفحة ٢١٢ - حمل أخبار عدم الانفعال علي التقّية
حكيناه آنفاً. فيتعّين فيها التأويل، أو الحمل على التقيّة; فإنّ العامّة وإن اختلفوا في المسألة على قولين[١]، إلاّ أنّ المشهور بين قدمائهم هو القول بالطهارة. وقد حكي ذلك أيضاً عن جماعة من الصحابة والتابعين. قال العلاّمة في المنتهى: «وهو (أي: عدم نجاسة القليل بالملاقاة) مرويّ عن حذيفة، وابن عباس، وأبي هريرة، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعكرمة، وعطا، وطاووس، وجابر بن زيد، وابن أبي ليلى، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وداود، وابن المنذر. وللشافعي قولان، وعن أحمد روايتان»[٢].
وفي التذكرة[٣] نحو ذلك.
والقائلون بالنجاسة، كأبي حنيفة وأتباعه، اختلفوا في تحديد الكثير على أقوال[٤]، لايوافق شيء منها التحديد بالكرّ على ما ذهب إليه الأصحاب، ومن ثَمّ شنّعوا على أصحابنا بانفرادهم فيما ذهبوا إليه من التحديد. وحاول السيّد المرتضى (رحمه الله) في الانتصار[٥] دفع ذلك عنهم بموافقة الحسن بن صالح بن حي لهم في أصل الكرّ، وإن خالفهم في تحديده، فإنّ الكرّ عنده ثلاثة آلاف رطل، ولم يقل بذلك أحد من الأصحاب.
وقد تبيّن من ذلك أنّ الأخبار الدالّة على نجاسة القليل مخالفة للمشهور بين أهل الخلاف، وما تضمّن منها التحديد بالكرّ مخالف لجميع أقوالهم، فيحمل ما خالفها على التقيّة. وهذا من أبين المحامل فيها، وإن غفل عنه الأكثر.
[١]. راجع : المبسوط (للسرخسي) ١ : ٧٠ ، نيل الأوطار ١ : ٣٦ ، المغني ١ : ٥٣ ، المجموع ١ : ١١٣ .
[٢]. منتهى المطلب ١ : ٤٥ ـ ٤٦ . «وداود» لم يرد فيه .
[٣]. تذكرة الفقهاء ١ : ٢٢ .
[٤]. الهداية ( للمرغيناني ) ١ : ٢٠ ، أيضا راجع : منتهى المطلب ١ : ٣٣ ـ ٣٤ .
[٥]. الانتصار : ٨٤ .