العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٢٢ - موقف الشيخ جعفر من الأخباريين
فاستحسن الحاضرون كلام الشيخ، وقالوا للأخباري: إنّ كان الحق معك فأجب الشيخ إلى ما يقول لتنقطع المشاجرة، ويمتاز الخبيث من الطيب، (فيهلك من هلك عن بينّة ويحي من حي عند بينّة)[١]، والله أسرع الحاسبين، فأجاب اللعين إلى ذلك وقبل، وعينوا للخروج إلى الصحراء اليوم المستقبل، فجمع الوزير بأمر السلطان أركان الدولة وذكر لهم الواقعة، وأمرهم بالخروج ليكون يوماً مشهوداً، فخرج السلطان والوزراء وجميع الأعيان، وضربوا الأخبية والخيام خارج البلد، ولم يتخلف منهم أحد، فلما كانت فريضة الظهر أو الصبح خرج الشيخ من خبائه، متعمّماً على هيئة عمائم الملائكة النازلين يوم بدر، وقد أرخى حنكا، وأسدل الآخر، والتحف ببردة يمانية، وتازّر بأخرى، وفي رجليه نعلان شراكهما من ليف وفي يمينه كتاب الله العزيز، وفي يساره مسبحة حسينية، وهو يهلل ويكبر، حتى وقف قبال القبلة فرفع صوته بالتكبير، حتى خشع قلب كل جبّار له، وصغر قدر كل كبير، ثم تجمع خلفه من الصّفوف، ما يزيد على الألوف، فصلى بهم جماعة.
وما كان إلا ساعة، حتى خرج المذمم متعمماً بعمامة صغيرة هندية، على هيئة العمائم الكابلية، رجوعا بذلك إلى أصله، لكنها مع صغر حجمها طويلة كما هو اليوم دأب الأفغانيين، فهي على هيئة غريبة كأنها رؤوس الشياطين وقد تجلل بحلل الماهود، ولفّ رقبته ببعض الشَّول، وشدَّ على وسطه البنود، كما هو اليوم عادة النصارى واليهود، وبكفه قضيب خيزران، وهو يلعب به ويختال عجبا بنفسه كالنشوان، فوقف هو وصحبه الغاوون، وجنود إبليس أجمعون، فلما رأى من الشيخ ما رآه، من الخضوع والخشوع علم منن المحق الأوّاه، فخشى نزول العذاب عليه،
[١] قوله هذا مأخوذ من قوله تعالى ليَهْلكَ مَنْ هَلكَ عن بَينة ويَحي منْ حَيَّ عن بَيّنةٍ سورة الأنفال: ٤٢.