العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٦٨ - كرامات الشيخ جعفر الكبير
الحاضرون، وقالوا للشيخ أتعرف كل منهما وكيفية حالهما؟ فقال: لاأعرفهما بوجه من الوجوه، وهذه أول رؤياي لهما، فقالوا: فَلِمَ أعطيت هذا ولم يسألك وحرمت ذاك وقد سألك؟ فقال: قوموا بنا نسأل عن داريهما وأريكم السبب، فسألوا حتى وقعوا على دار السيد الأول الفقير، فأستأذنوا ودخلوا فوجدوها مملوءة بالفرش والبسط والأقمشة، وفيها من جميع الحبوب ما يكفيه وعياله سنين، ثم خرجوا وأتوا دار السيد الثاني فوجدوا عياله عليهم أرثّ الثياب، وأطفاله عُراة يتصارخون من الجوع، وليس في داره شيء من الفرش والقماش سوى حصير خَلِق، فقال: انظروا هؤلاء الذين قال الله تعالى عنهم ( (يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ))[١]. هذا الرجل توسّمْت فيه أنّه عزيز نفسٍ من قوم أعزاء وضعهم الدهر، ولم يبقَ عنده سوى هذه الملابس التي عليه يتجمل بها لئلا يشمت عَدوّه به، وهو كما قال عَزّ من قائل ( (لَايَسئَلُونَ النَّاسَ الحَافاً))[٢].
وأظنك أيها الناظر في هذه وأمثالها تقول ليس هذا إلّا لعلام الغيوب، فقولوا: إنّ شيخكم هذا والعياذ بالله إله، ولكنك إذا التفت إلى قوله تعالى في الحديث القدسي ( (عَبْدِي أَطَعْنِي تَكنْ مِثْلِي تَقُولُ للشَيء كُنْ فَيكُون)). وكانت الصغرى عندك مسلّمة كما سيتبين لك أن طاعة الشيخ أظهر مصاديق الطاعة، فإذن لا يدور في خُلْدِكَ ذلك الباطل خصوصاً في مثل أولياء الله الأماثل.
٦- ومثل هذا كثير، فلنختم هذه الفصل بحكاية أظنّها عندك أعجب من جميع ذلك، قد حدثني بها عمي العباس بن علي بن جعفر عمن كان مع الشيخ وشهد الوقعة، وذكرها في كتاب (معدن الشرف) أيضا، وحاصلها: أنّ الشيخ توجّه في بعض السنين إلى نواحي البصرة، فأتوا على
[١] سورة البقرة/ ٢٧٣.
[٢] سورة البقرة/ ٢٧٣.