العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢١٤ - القسم الثاني في مراثيه
تقع، فلما فرغوا من تجهيزه ودفنه في مدرسته رجعوا إلى داره الكبيرة فوضعوا الرؤوس بين الركب وأطالوا النشيج والبكاء هنالك، ولا عجب لأنّهم عيال على مكارمه الجزيلة، فكأنّما فقد كلّ واحد منهم أباه البرّ وكفيله، وأنشد كل منهم لعظم ما دهاه من المصاب، وقد سقته أكفُّ الرزايا كؤوس الحنظل والصاب[١].
|
ظننّا الذي نادى محقّاً بموتِهِ |
لعظم الذّي أنْحى[٢] من الرزءِ كاذِبَا |
|
|
وخِلْنا الصباحَ الطلقَ ليلًا وإنّما |
خبطنا حذاريّاً من الحُزنِ كاربِا |
|
|
وما ذَهبتْ نفسٌ تصفّتْ من القَذى |
ولكنّما الإسلامُ أدبرَ ذاهبا |
|
|
ول- مّا أبى إلَّا التحمُّلَ رائحِاً |
منحناهُ أعناقَ الكرامِ ركَائِبا |
|
|
يسيرُ بهِ النعشُ الأعزّ وحولَه |
أباعدٌ راحوا للمُصاب أقاربَا |
|
|
عليه حفيفٌ للملائِكِ أقبلَتْ |
تسايرُ نَعشاً زاحَمَ العَرشَ جانِبَا |
|
|
تخالُ لفيفَ الناسِ حولَ ضريحِهِ |
خليطُ قَطا وافى الشريِعَةَ هَاربَا |
|
|
إذا أمرّوا سحُبَ الدُموعِ تَفرّعتْ |
فروعُ البُكا عن بارِقِ الحزنِ لاهبا |
|
|
فمن ذا لِفَضْلِ القولِ يَسطعُ نورُهُ |
إذا نحنُ ناوَلنا الألدَّ المناوبَا |
|
|
ومن ذا ربيعُ المسلمينَ يقوتُهم |
إذا الناسُ شاموها بروقاً كواذبَا |
|
|
فيَالهفَ قلب الدين بعدَ عميدِهِ |
وفارِسهِ الدّفاعِ عنه النّوائِبا |
|
|
وكان عظيماً يُطْرِقُ الجَمْعُ دونَهُ |
ويعنو له ربُّ الكتائب هائِبا |
|
|
وذا مقولٌ عضبُ الغرارين صارمٌ |
يروحُ به عنْ حَومةِ الدينِ ضَاربِا |
|
|
لئنْ أفلَتْ شمسُ الهُدى فيه عنهُم |
فَقَدْ أعْقَبَتْ بَدْراً لَها وكَواكِبَا |
|
قصيدة السيد إبراهيم البغدادي[٣]
فقامت نواعي الهدى تنعاه ونوادبه، والنوح يجاذبها وتجاذبه، فقال السيد إبراهيم البغدادي راثيا له ومعزّيا ولده ومؤرّخاً عام وفاته:
|
خَطْبٌ تكَادُ لهُ السّما تتفطَّرُ |
والأرضُ ترجفُ والجبالُ تسيّرُ |
|
|
ومُصيبةٍ أذكَتْ بكلِّ حُشاشةٍ |
نيرانَ وجْدٍ لمْ تَزلْ تتسعّرُ |
|
|
ورزيّةٍ كسرتْ قلوبَ أولي النُّهى |
كَسْراً وإنْ طَالَ ال- مَدى لا يُجَبَّرُ |
|
|
اليومَ ماتَ المرتَضَى علمُ الهُدَى |
والشيخُ والحَبْرُ المحققُ جعفرُ |
|
|
اليومَ أظلمَتْ المشاهدُ بعَد أنْ |
كانتْ بطَلعته السنيّة تزهرُ |
|
|
اليومَ وجهُ الكون بعدَ بهائِهِ |
بالأمسِ أصبحَ وهو أشعثُ أغبرُ |
|
|
ذهبَ الكريمُ الأريحيُّ ومن زكَتْ |
منه الفروعُ وطَابَ منْهُ العُنصرُ |
|
|
شكرتْ عوائد برّه كُلّ الورى |
وعلى المحامد من تعوّد يُشكرُ |
|
|
ما أمَّه طلب اغتنامٍ نواله |
راجيه إلَّا آبَ وهو مُظفَّرُ |
|
|
كلتا يديه حياة أبناء الرّجا |
لكن على الأعداءِ موتٌ أحمرُ |
|
|
بأبي أبا موسى أخا الهمم التي |
ما حاز كسرى مثْلهُنَّ وقيصرُ |
|
|
منْ للمَساجد والمحاريب التي |
كانتْ بُحسن الذّكرِ فيه تُعَمَّرُ |
|
|
منْ للقضايا المشكلاتِ يحلّها |
من للأمور المصعباتِ يُدبّرُ |
|
|
مَنْ للعويصاتِ التي عن كُنهها |
تعيا عقولُ ذوي العقولِ وتقصِرُ |
|
|
مَنْ يكنِفُ الأيتامَ مَنْ يتفقّدُ ال- |
أرحامَ منْ يَرعى الزمام[٤] ويخفرُ |
|
|
فيمنْ وقَد أودى الزمانُ بفخرنا |
إنْ عَنَّ فَخرٌ في البرّية نَفْخَرُ |
|
|
وبمنْ نصولُ على الزمانِ وقَدْ نأى |
عنّا أبو موسى الهُمامُ القسْورُ |
|
|
ضلَّ الأوُلى قدْ غسّلوهُ أما دروا |
أنّ المياهَ بغُسله تَتطهّرُ |
|
|
وغوى الأولى قد حنّطوه أما دروا |
أنَّ الحنوطَ بَنشْره يَتعطّرُ |
|
|
ما خِلتُ قبلَ حلُوله في رمسِهِ |
أنّ المفاخرَ والمكارمَ تُقْبَرُ |
|
[١] الصاب: المصيبة.
[٢] وردت في المخطوطة( أنجى) بمعنى أسرع، وهي أقرب من( أنحى) بمعنى( عدل عن).
[٣] هو السيد إبراهيم ابن السيد محمد العطار الحسني البغدادي، جد الأسرة الحيدرية في الكاظمية، وقد تقدمت ترجمته.
[٤] وردت في المخطوطة( الذمام).