العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٥٦ - وغزواته للنجف الأشرف
العوام، وكان قد وقع التشاجر بين العلماء في هذه المسألة، فبعضهم أوجب الخروج من النجف تقديماً لأدلّة حفظ النفس، فخرجوا مع من اتبعهم، وبعض كالشيخ والسيد جواد وباقي العلماء أوجبوا الجهاد تقديما لأدلّة حفظ بيضة الدين على المسلمين، وقد صنّف السيد جواد العاملي رسائل في الرّد على من خالفهم في ذلك، وشنّع بها على من خرج من النجف.
ثم أنّ الشيخ وأصحابه وطّنوا أنفسهم على الموت لقلّتهم وكثرة عدد عدوّهم، وكان الشيخ قبل مجيء هذا الخبيث حفر في داره الكبيرة سرداباً ينزل في الأرض مقدار أربعون درجاً، وهو من العجائب لأنّ الشيخ صنعه بهندسته ليخفي فيه أولاده وعياله خوفاً من السبي فجعله بحيث لا يهتدي إليه أحد إلَّا من علم بكيفية طريقه وسلك فيه مراراً، وهو موجود إلى الآن، ويعرف بسرداب الوهابي، وهذه الدار من منن الله علينا نحن نازلون بها، وهي من مدة ثلاثين سنة في أيدينا، وسيأتي إنْ شاء الله كيفية بنائها وإتقانها وحسن ترتيبها وبنيانها.
ثم أنّ الشيخ أخفى أولاده ونساءه في السرداب وجعل معهم من الطعام ما يكفيهم مقدار شهر كامل، وودّعهم وداع مفارق، وقال: إنّ هذا الملعون سيأتي إلى النجف فإنْ أظفرنا الله عليه فبها، وإلَّا فسيقتلنا ويدخل النجف فلا يرى شيئا بها مما يريد من مال أو رجال فسيتركها ويرتحل، وأما أنتم فأخرجوا بعد الشهر وكاتبوا الأطراف ومن خرج فَلْيَعُدْ، ولا تقصروا في السعي بتعميرها أبداً، ولا تخرجوا منها ولو بقيت خالية، إلى غير ذلك من الوصايا والترتيبات لإحياء الملّة والدين