العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٢٤ - موقف الشيخ جعفر من الأخباريين
مع ذلك على ترتيب العساكر وكيفية منامهم، فرغب وقام الوزير وبيده المصباح، وجعل يتمشى بالشاه بين الخيم فرأوا خيمة صغيرة محقرة نائية عن خيم الناس، فقال الوزير دعنا نمضي ونرى أمر هذه الخيمة ومن فيها حتى إذا وصلا قريباً منها سمعا بكاء ونجيباً وشكوى محب إلى حبيب، فتأملوا وإذا بالشيخ واضعاً خده على التراب وهو يتملل على الأرض تململ السليم، ويئن أنين الفاقد كفيله والحميم، ويناجي ربه مناجاة الحزين الواله ويتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوقفوا هنيئة حتى فرغ من أطايب مناجاته، وقام إلى تكميل صلاته، انصرفوا وقد أخذتهم حالة الخشوع والخضوع، وانسكبت على غير اختيار منهم الدموع، وصاروا يتذكرون بتلك الحالة العجيبة، ويتحدثون أمر هاتيك الملكة الغريبة، فحمد الله الوزير في نفسه وشكره، على حسن ذلك الاتفاق الذي لم يكن أمّله ولا تصوّره، وقال هذا نعم المفتاح لما أريد، ولكن لا يتم إلا برؤية حالة ذاك الجبار العنيد، فجعل يساير الشاه، حتى أتى به إلى خيمة ذلك المذمم، وهما في حديث الشيخ وتقاه، فقال الوزير: أيها الملك هذا خباء ميرزا محمد فلننظر بماذا هو مشغول وكيف مثواه، حتى نميز نحن أولا بينه وبين ذلك الشيخ الأوّاه، فنظروا في الخيمة بين الستائر وإذا بولد أمرد، ورجلا ميرزا محمد في حضن الولد، وهو يمرّغهما والرجل نائم فازداد تعجب ا لشاه واستأنس الوزير بذلك، فقال: أيها الملك أنت أجلّ من أن يخفى عليك هذا الأمر ويشتبه، فإن كنّا نائمين فلننتبه، هذه ايات الله ظاهرة، وحجج الحق باهرة، وبينات الصدق قاهرة، ونهج الهدى مستقيم، وطود الباطل رميم، فعلام ومما المباهلة؟ وهي لا تكون إلَّا لأمر مشكل قد أوقع في الحيرة، وعَمِيَ لعدم التمييز فيه أولو البصيرة، وهذا الأمر واضح المناهج بين المسالك، ونحن لو تأملنا في عقولنا وراجعنا إدراكنا عرفنا أي هاتين الحالتين سيرة الأنبياء والأولياء، وأيهما حيلة الأشقياء، فقال الشاه: صدقت هذا برهان قاطع