الإحتياط - كاشف الغطاء، الشيخ فاتح عبدالرزاق - الصفحة ٩٥ - ثانيا - قاعدة دفع الضرر المحتمل
بوجوب دفع الضرر المحتمل[١] فشرب التتن يجب تركه، وقد ردَّ الاستدلال بهذه القاعدة بقاعدة أخرى هي قبح العقاب بلا بيان التي (يشهد لها حكم العقلاء كافة بقبح مؤاخذة المولى عبده على فعل ما يعترف بعدم إعلامه أصلا بتحريمه)[٢] وهذه القاعدة تكون كبرى قياس أيضا للمثال المذكور بأن يقال شرب التتن مثلًا غير مبين الحرمة وكل غير مبين الحرمة مأمون الضرر لقبح العقاب بلا بيان فشرب التتن مأمون الضرر.
وقد يتبين من نتيجتي القياسين أنهما متعارضتان وذلك لأنه من القياس الثاني (شرب التتن غير مبين الحرمة الواقعية بالفرض وكلما هو غير مبين الحرمة الواقعية مأمون الضرر من حيث الحرمة الواقعية بحكم العقل بقبح العقاب من غير بيان، فشرب التتن مأمون الضرر من حيث الحرمة الواقعية)[٣].
ثم أن الظاهر من المراد بالبيان ليس خصوص العلم وإلا لقبح العقاب على مخالفة التكاليف القائمة عليها الطرق الظنية المعتبرة ضرورة لأن قيام الإمارة الظنية على تكليف لا يوجب العلم به فهل يعقل كونها بيانا علميا له مع أنه لا شبهة في جواز وحسن العقاب عليها بحكم العقل وشهادة العقلاء كافة. لذلك فإن المراد بالبيان الحجة القاطعة للضرر بين المولى والعبد وهو ما لو عمل به العبد واتفق مخالفته للواقع بأن كان مؤديا إلى مبغوض المولى لقبح على المولى عقاب العبد ولو كان البيان مؤديا إلى مطلوب المولى ولم يعمل به العبد، حسن للمولى عقابه عليه فيعم بذلك البيان بالطرق الظنية المعتبرة والتي هي صفة الطريقية ثابتة لها في نفسها كالعلم غير أن الخاصية المترتبة على العلم وهي السببية لقطع العذر ليست لازمة لها كما في العلم نفسه، بل إنما هي بجعل الشارع فجعله مكملا لطريقتها لا محدث لصفة الطريقية فيها[٤].
[١] ابن أمير الحاج محمد بن محمد بن حسن الحنفي( ت ٨٧٩ ه-)/ التقرير والتحبير/ المطبعة الكبرى الأميرية/ بولاق/ مصر/ ١٣١٧/ ج ٣/ ٢١
[٢] الأنصاري/ فرائد الأصول/ ٢٠٣
[٣] الكرماني رحمة الله/ حاشية على الرسائل/ ٢٠٣
[٤] كاشف الغطاء أحمد/ حاشية على الرسائل/ ٢١١.