نفحات الهداية - الصالحي، ياسر - الصفحة ٨٨ - امتداد الملك، يزيد وليّ عهد
على المدينة، عارض هذا الأمر بشدّة ما اضطرَّ معاوية إلى اعفائه من منصبه، ويمكننا أن نُرجع هذه المعارضة الداخلية لعدَّة أسباب منها:
أ - إنَّ انتقال السلطة إلى يزيد، من طريق ولاية العهد، كان اقتباساً من النظام السياسي البيزنطي الذي لم يعرفه العرب في سابق تاريخهم، ولعلَّ قرب موقع معاوية من دولة الروم كان مصدر معرفته بهذا النظام الملكي الامبراطوري الذي صار هو النظام السياسي في الأمّة الإسلاميّة في ما بعد.
ب - إنَّ هذا الأسلوب كان إهداراً لنظام الشورى الذي توهَّم المسلمون أنَّه القانون الأساسي للمسلمين. والواقع أنَّ الشورى لم تكن قد مورست بصورة جيّدة في الحِقَب السابقة ممَّا يسمح باستقرار معالمها وأساليب ممارستها. فأن يأتي معاوية لينقل المداراة إلى ديكتاتورية صريحة كان هذا أمراً ثقيلاً على كثيرين، وخاصّة على أولئك الذين توهَّموا أنَّهم أهل الحلّ والعقد، ولم يكن معاوية ليبقي على نفوذهم ولا على وجودهم نفسه، إذا تعارض ذلك مع رغباته السلطوية الجامحة.
ج - صفات يزيد الشخصية وافتقاده الحدّ الأدنى من المقوّمات جعلت زياداً، وهو من هو في بغيه وعدوانه ونسبه، كارهاً لبيعته وإمارته قائلاً: (ويزيد صاحب رَسْلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد)[١٠٣] وكتب إلى معاوية يأمره بالتؤدة وألاَّ يعجل.
لم تستعص الأغلبية على معاوية ولا على أساليبه، فهناك المتطوّعون السابقون إلى مرضاة الطواغيت، مثل الضحّاك بن قيس والمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب، ولا بأس هنا بأن نورد بعضاً من منجزات سمرة، هذا (الصحابي) الذي استخلفه زياد على الكوفة ثمّ عاد إليه فوجده قد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: هل تخاف أن تكون
[١٠٣] تاريخ الطبري ٤: ٢٢٤ و٢٢٥.