نفحات الهداية - الصالحي، ياسر - الصفحة ٩٨ - من يُقيل عثرة الأمّة المنكوبة؟
الله عينيك، فوَالله لولا أنَّك شيخ قد خرفتَ وذهب عقلك لضربت عنقك. قال: فنهض فخرج. فلمَّا خرج سمعت الناس يقولون: والله لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله، فقلت: ما قال؟ قالوا: مرَّ بنا وهو يقول: ملك عبد عبداً، فاتَّخذهم تُلداً. أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمَّرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذلّ فبُعداً لمن رضي بالذلّ[١١٨].
أي والله، أيّها الشيخ، إنَّها لشهادة حقّ ولكن بعد فوات الأوان، ولكنَّها تحكي الواقع الذي احتار الناس في تفسيره، لماذا وكيف صرنا لما نحن عليه الآن عبيد في ديارنا لا نملك من الظالمين دفعاً ولا نفعاً، هذا يحكي لنا عن الحرّية في أوروبا! وذاك يحكي لنا عن طبيعة هذا الشعب أو ذاك الذي يحبّ العبودية ولم يحاول أحد أن يصل إلى الحقيقة.
إنَّ ما جرى علينا هو استجابة لدعوة دعاها أبو عبد الله على من قتله أو رضي بذلك أو سمع فلم ينكر. فها هو أبو عبد الله الحسين يدعو عليهم وقد أثخنته الجراح: «اللّهمّ أمسك عنهم قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض، اللّهمّ فإن متعتَّهم إلى حين ففرّقهم فِرَقاً واجعلهم طرائقَ قِدداً ولا تُرْض عنهم الولاة أبداً فإنَّهم دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا»[١١٩].
ثمّ هو عليه السلام يقول قبل قتله مباشرة - وهو يقاتل على رجليه قتالَ الفارس الشجاع يتَّقي الرمية ويفترص العورة ويشدّ على الخيل -: «أعلى قتلي تحاثون؟ أمَا والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله، الله أسخط عليكم لقتله منّي، وأيم الله إنّي لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون، أمَا والله أن لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثمّ لا يرضى لكم حتَّى
[١١٨] تاريخ الطبري ٤: ٣٤٩.
[١١٩] تاريخ الطبري ٤: ٣٤٤ و٣٤٥.