نفحات الهداية - الصالحي، ياسر - الصفحة ١٦١ - مسألة زيارة القبور
وخير مثال - والأسبق تاريخياً - في ما ذكره القرآن الكريم لاحترام مراقد الأولياء وتعاهدها بالزيارة، هو مرقد فتية أصحاب الكهف، إذ قال تعالى:
(إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) (الكهف: ٢١).
وتُشعر الآية بذكرها المسجد بأنَّ هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم الموحّدون، فالآية فيها دلالة على جواز البناء على القبور وزيارتها، والمسجد إنَّما يُتَّخذ ليؤتى على الدوام ويقصده الناس ليذكروا اسم الله عز وجل فيه.
المرحلة الثانية: المنع لعلل يأتي ذكرها، ويستنبط ذلك من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
«إنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها»[١٣٩].
ويتَّضح من هذه الرواية أنَّ المسلمين كانوا يزورون القبور، ثمّ ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها المنع، ثمّ أذن لهم بعد ذلك في الزيارة.
ففي رواية ابن عبّاس عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:
«نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجراً»[١٤٠].
والهجر هو الكلام القبيح المهجور لقبحه[١٤١]، وهذا الحديث كأنَّه يتضمَّن علَّة النهي أو بعضها، وهي أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أراد إلغاء عادات الجاهلية وتأسيس آداب إسلاميّة للزيارة.
[١٣٩] مسند أحمد ١: ١٤٥؛ صحيح مسلم ٣: ٦٥؛ سنن ابن ماجة ١: ٥٠١/ ح ١٥٧١.
[١٤٠] المعجم الكبير للطبراني ١١: ٢٠٢.
[١٤١] أنظر: معجم مفردات ألفاظ القرآن: ٥٣٧/ مادَّة (هجر).