نفحات الهداية - الصالحي، ياسر - الصفحة ١٢ - شخصية يزيد بن معاوية
معاوية وإفضاء الأمر إليه: «قد ولّيت الأمر بعده، ولست أعتذر عن جهل، ولا أشتغل بطلب علم»[٢].
فهو يقرّ بعنجهيته ولهوه وجهله، ويفرض على أمّة الإسلام وجوده ويهدّد من يخالفه بالإرهاب والقتل، ولم يكن ما صدر من يزيد إلاَّ لأنَّ الترف باعد بينه وبين الدين، فجعله شخصية دكتاتورية لا يهمّها سوى إشباع غرائزها وتحقيق نزواتها مهما كلَّف الأمر.
كما أنَّ معاوية كان قد مهَّد له الأجواء والأرضية ليعبث بها كيف ما شاء، فاستغلَّ يزيد هذا الأمر وارتكب ما تهواه نفسه، فكان يزيد يفتقد الحدّ الأدنى من المقوّمات التي تجعله مؤهّلاً لمنصب الخلافة، بحيث أقرَّ بذلك الدعي زياد بن أبيه - وهو من عُرف ببغيه وسوء سريرته - وكتب إلى معاوية بشأن البيعة ليزيد: «ويزيد صاحب رَسْلَة وتهاون، مع ما قد أولع به من الصيد»[٣]، ويزيد معروف بالتهوّر وعدم الاتّزان، حيث قال عنه البلاذري: «لا يهمّ بشيء إلاَّ ركبه»[٤].
وبمراجعة ما ذكره المؤرّخون عن مقاطع حياته تنكشف بوضوح شخصية يزيد المستهترة، ويعود السبب الكبير في ضعف صلة يزيد بالدين هو ترعرعه - كما سيأتي في الأجواء المسيحية التي نشأ فيها - وهذه الأجواء هي التي جعلته عاجزاً عن النفاق والتظاهر بالورع والتقوى، والتلبّس بلباس الدين، وجعلته مجاهراً بارتكاب المحرَّمات واقتراف الآثام[٥].
[٢] مروج الذهب ٣: ٦٥؛ العقد الفريد ٥: ١٢٤.
[٣] تاريخ الطبري ٤: ٢٢٤ و٢٢٥؛ تاريخ مدينة دمشق ٣٨: ٢١٢؛ الكامل في التاريخ ٣: ٥٠٥.
[٤] أنساب الأشراف ٥: ٢٩٩.
[٥] أنظر: تاريخ العرب لفيليب حتّي ٢: ٢٥٨؛ سمو المعنى في سمو الذات لعبد الله العلايلي: ٥٩ - ٦١؛ الدولة العربية وسقوطها لولهاوزن: ١٣٧ و١٣٨؛ تاريخ الشعوب الإسلاميّة لبروكلمان: ١٢٩؛ رسائل الجاحظ ٣: ٧٢.