إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٠ - صفة الصراط
خير منه،بل لا نسبة له إليه،فتوسل إلى إدراك هذه الرتبة بالإخلاص الصافي، و النية الصادقة في معاملتك مع اللّه،فلن تدرك ذلك إلا به و إن تكن الأخرى و العياذ باللّه،بأن خرج من صحيفتك جريمة كنت تحسبها هينة و هي عند اللّه عظيمة،فمقتك لأجلها،فقال عليك لعنتى يا عبد السوء، لا أتقبّل منك عبادتك ،فلا تسمع هذا النداء إلا و يسودّ وجهك،ثم تغضب الملائكة لغضب اللّه تعالى فيقولون.و عليك لعنتنا و لعنة الخلائق أجمعين،و عند ذلك تنثال إليك الزبانية و قد غضبت لغضب خالقها،فأقدمت عليك بفظاظتها، و زعارتها،و صورها المنكرة،فأخذوا بناصيتك يسحبونك على وجهك على ملأ الخلق،و هم ينظرون إلى اسوداد وجهك،و إلى ظهور خزيك،و أنت تنادي بالويل و الثبور،و هم يقولون لك لا تدع اليوم ثبورا واحدا و ادع ثبورا كثيرا، و تنادي الملائكة و يقولون،هذا فلان بن فلان،كشف اللّه عن فضائحه و مخازيه و لعنه بقبائح مساويه،فشقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا.و ربما يكون ذلك بذنب أذنبته خفية من عباد اللّه،أو طلبا للمكانة في قلوبهم،أو خوفا من الافتضاح عندهم فما أعظم جهلك إذ تحترز عن الافتضاح عند طائفة يسيرة من عباد اللّه في الدنيا المنقرضة،ثم لا تخشى من الافتضاح العظيم في ذلك الملإ العظيم ،مع التعرض لسخط اللّه و عقابه الأليم،و السياق بأيدي الزبانية إلى سواء الجحيم.فهذه أحوالك و أنت لم تشعر بالخطر الأعظم و هو خطر الصراط
صفة الصراط
ثم تفكر بعد هذه الأهوال في قول اللّه تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمٰنِ وَفْداً وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً [١]و في قوله تعالى فَاهْدُوهُمْ إِلىٰ صِرٰاطِ الْجَحِيمِ وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [٢]فالناس بعد هذه الأهوال يساقون إلى الصراط،و هو جسر ممدود على متن النار،أحد من السيف،و أدق
[١] مريم:٨٥،٨٦
[٢] الصافات:٢٣،٢٤