إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٦
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٥٦)
على هذا لا يكون للحديث مدخل في هذا الموضع لم يرده مورد آخر في غير هذا الموطن و يكون الإيمان به إلى غير هذا المعنى المذكور في السبب الحادث،و إثباته في غير موطن ذلك السبب المنقول مما يعز و يعسر،فليبق المسبب على حاله و لينظر في وجه الحديث غير هذا مما يحتمل و يحسن الاحتجاج به في هذا الموطن و الوجه الآخر:أن يكون الضمير الذي في صورته عائدا إلى اللّه سبحانه،و يكون معنى الحديث،أن اللّه خلق آدم على صورته،هي إلى اللّه سبحانه،و هذا العبد المضروب على صورة آدم،فإذا هذا العبد المضروب على الصورة المضافة إلى اللّه تعالى،ثم ينحصر بيان معنى الحديث،و يتوقف على بيان معنى هذه الإضافة،و على أي جهة يحمل في الاعتقاد العلمي على اللّه سبحانه ففيها وجهان أحدهما:أن إضافته إضافة ملك إلى اللّه تعالى كما يضاف إليه العبد و البيت و الناقة، و اليمين على أحد الأوجه.
و الوجه الآخر:أن تكون إضافة تخصيص به تعالى،فمن حملها على إضافة الملك له رأى أن المراد بصورته هو العالم الأكبر بجملته،و آدم مخلوق على مضاهاة صورة العالم الأكبر لكنه مختصر صغير،فإن العالم إذا فصلت أجزاؤه بالعلم،و فصلت أجزاء آدم عليه السلام بمثله وجدت أجزاء آدم عليه السلام مشابهة للعالم الأكبر،و إذا شابهت أجزاء جملة أجزاء حملة فالجملتان بلا شك متشابهتان،فالذي نظر في تحليل صورة العالم الأكبر فقسمه على أنحاء من القسمة،و قسم آدم عليه السلام،كذلك فوجد كل نحوين منهما شبيهين،فمن ذلك أن العالم ينقسم إلى قسمين،أحد القسمين:ظاهر محسوس كعالم الملك،و الثاني:باطن معقول كعالم الملكوت،و الإنسان كذلك ينقسم إلى ظاهر محسوس،كالعظم و اللحم و الدم و سائر أنواع الجواهر المحسوسة،و إلى باطن،كالروح و العقل و العلم و الإرادة و القدرة و أشباه ذلك و قسم آخر:و ذلك أن العالم قد انقسم بالعوالم إلى عالم الملك:و هو الظاهر للحواس،و إلى عالم الملكوت:و هو الباطن في العقول،و إلى عالم الجبروت:
و هو المتوسط الذي أخذ بطرف من كل عالم منها،و الإنسان كذلك انقسم