إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٥ - المرابطة السادسة
لا تهربين من عذاب الأبد و أنت متعرضة له في كل حال!و من أين تطيب المصيبة إذا عمت و لأهل النار شغل شاغل عن الالتفات إلى العموم و الخصوص!و لم يهلك الكفار إلا بموافقة أهل زمانهم حيث قالوا إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُقْتَدُونَ [١]فعليك إذا اشتغلت بمعاتبة نفسك،و حملها على الاجتهاد فاستعصت ،أن لا تترك معاتبتها و توبيخها،و تقريعها،و تعريفها سوء نظرها لنفسها،فعساها تنزجر عن طغيانها
المرابطة السادسة
في توبيخ النفس و معاتبتها
اعلم أن أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك.و قد خلقت أمارة بالسوء،ميالة إلى الشر،فرارة من الخير.و أمرت بتزكيتها،و تقويمها،و قودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها و خالقها،و منعها عن شهواتها،و فطامها عن لذاتها.فإن أهملتها جمحت و شردت،و لم تظفر بها بعد ذلك.و إن لازمتها بالتوبيخ،و المعاتبة،و العذل،و الملامة، كانت نفسك هي النفس اللوّامة التي أقسم اللّه بها ،و رجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد اللّه راضية مرضية.فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها و معاتبتها،و لا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولا بوعظ نفسك أوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه السلام:يا ابن مريم،عظ نفسك،فإن اتعظت فعظ الناس،و إلا فاستحى منى و قال تعالى وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [٢]و سبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جلهلها و غباوتها،و أنها أبدا تتعزز بفطنتها و هدايتها، و يشتد أنفها و استنكافها إذا نسبت إلى الحمق،فتقول لها يا نفس،ما أعظم جهلك،تدّعين الحكمة و الذكاء و الفطنة و أنت أشد الناس غباوة و حمقا،أما تعرفين ما بين يديك من الجنة و النار،و أنك صائرة إلى إحداهما على القرب،فما لك تفرحين،و تضحكين،و تشتغلين باللهو،و أنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم،و عساك اليوم تختطفين أو غدا!فأراك ترين الموت بعيدا و يراه اللّه قريبا.أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب،و أن البعيد ما ليس بآت؟
[١] لزخرف:٢٣
[٢] الذاريات:٥٥