إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٠ - التفكر في ملكوت السموات
بالإضافة إلى ما عرفه محمد نبينا صلى اللّه عليه و سلم.و ما عرفه الأنبياء كلهم قليل بالإضافة إلى ما عرفته الملائكة المقربون كإسرافيل و جبريل و غيرهما.ثم جميع علوم الملائكة،و الجن، و الإنس،إذا أضيف إلى علم اللّه سبحانه و تعالى لم يستحق أن يسمى علما،بل هو إلى أن يسمى دهشا،و حيرة،و قصورا،و عجزا أقرب ،فسبحان من عرف عباده ما عرف، ثم خاطب جميعهم فقال وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّٰ قَلِيلاً [١].فهذا بيان معاقد الجمل التي تجول فيها فكر المتفكرين في خلق اللّه تعالى،و ليس فيها فكر في ذات اللّه تعالى ،و لكن يستفاد من الفكر في الخلق لا محالة معرفة الخالق،و عظمته،و جلاله و قدرته،و كلما استكثرت من معرفة عجيب صنع اللّه تعالى كانت معرفتك بجلاله و عظمته أتم،و هذا كما أنك تعظم عالما بسبب معرفتك بعلمه،فلا تزال تطلع على غريبة غريبة من تصنيفه أو شعره، فتزداد به معرفة،و تزداد بحسنه له توقيرا و تعظيما و احتراما،حتى أن كل كلمة من كلماته، و كل بيت عجيب من أبيات شعره،يزيده محلا من قلبك يستدعى التعظيم له في نفسك فهكذا تأمل في خلق اللّه تعالى و تصنيفه و تأليفه،و كل ما في الوجود من خلق اللّه و تصنيفه،و النظر و الفكر فيه لا يتناهى أبدا،و إنما لكل عبد منهما بقدر ما رزق، فلنقتصر على ما ذكرناه،و لنضف إلى هذا ما فصلناه في كتاب الشكر،فإذا نظرنا في ذلك الكتاب في فعل اللّه تعالى من حيث هو إحسان إلينا،و إنعام علينا،و في هذا الكتاب نظرنا فيه من حيث إنه فعل اللّه فقط،و كل ما نظرنا فيه فإن الطبيعي ينظر فيه و يكون نظره سبب ضلاله و شقاوته،و الموفق ينظر فيه فيكون سبب هدايته و سعادته.و ما من ذرة في السماء و الأرض إلا و اللّه سبحانه و تعالى يضل بها من يشاء،و يهدى بها من يشاء.
فمن نظر في هذه الأمور من حيث إنها فعل اللّه تعالى و صنعه استفاد منه المعرفة بجلال اللّه تعالى و عظمته ،و اهتدى به.و من نظر فيها قاصرا للنظر عليها من حيث تأثير بعضها في بعض،لا من حيث ارتباطها بمسبب الأسباب،فقد شقي و ارتدى ،فنعوذ باللّه من الضلال و نسأله أن يجنبنا مزلة أقدام الجهال بمنّه،و كرمه،و فضله،و جوده،و رحمته تم الكتاب التاسع من ربع المنجيات،و الحمد للّٰه وحده،و صلواته على محمد و آله و سلامه يتلوه كتاب ذكر الموت و ما بعده و به كمل جميع الديوان بحمد اللّه تعالى و كرمه
[١] الاسراء:٨٥